حديث النبي ﷺ (هنا الفتنة من حيث قرن الشيطان)
يهدف هذا المقال إلى توضيح الحديث النبوي الشريف الذي أشار فيه النبي ﷺ إلى "الفِتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان"، وفك الالتباس الذي أوقع فيه بعض أتباع الفرقة الضالة من الرافضة. فقد حاولوا تفسير هذا الحديث على نحو يشير إلى بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهو تفسير خاطئ يُخالف الروايات الصحيحة والسياق اللغوي والشرعي. في هذا المقال سنبين الأدلة من صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند الإمام أحمد، وسنوضح استخدام النبي ﷺ لعبارة "ها هنا" للإشارة إلى الاتجاه نحو المشرق، وشرح معنى "قرن الشيطان" والعلاقة بالفتن الكبرى التي حدثت في العراق والمشرق عبر التاريخ الإسلامي. كما سنبين خطأ الاستدلال بالحديث في تكفير أي من أمهات المؤمنين، مع إبراز صحة الإسناد والتفسير اللغوي والشرعي السليم.
قال الإمام البخاري:
" 3104 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «هُنَا الفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
"صحيح البخاري - بَابُ مَا جَاءَ فِي بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا نُسِبَ مِنَ البُيُوتِ إِلَيْهِنَّ - ج 4 ص 82
ومراد النبي صلى الله عليه واله وسلم باشارته نحو بيت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الجهة – اي جهة المشرق -، ولم يرد ذات المسكن، وقد جاء هذا واضحا بروايات اخرى وردت في نفس الموضوع عن راوي الحديث ابن عمر رضي الله عنه، ومنها ما جاء في البخاري: " 5296 - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الفِتْنَةُ مِنْ هَا هُنَا» وَأَشَارَ إلى المَشْرِقِ
"صحيح البخاري - بَابُ الإِشَارَةِ فِي الطَّلاَقِ وَالأُمُورِ - ج 7 ص 51
وفي البخاري أيضًا:
" 3279 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ إلى المَشْرِقِ فَقَالَ: «هَا أن الفِتْنَةَ هَا هُنَا، أن الفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
"صحيح البخاري - بَابُ صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ - ج 4 ص 123
وفيه أيضًا: "3511 - حَدَّثَنَا أبو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: «أَلاَ أن الفِتْنَةَ هَا هُنَا يُشِيرُ إلى المَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
"صحيح البخاري - بَابُ نِسْبَةِ اليَمَنِ إلى إِسْمَاعِيلَ - ج 4 ص 181
ففي هذه الروايات قد صرح ابن عمر رضي الله عنه أن المراد بالاشارة جهة المشرق.
وفي مسند الإمام أحمد:
" 4679 - حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنه كان قَائِمًا عِنْدَ بَابِ عَائِشَةَ: فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: " الْفِتْنَةُ هَاهُنَا، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ[1]"
ففي هذه الرواية تفصيل، وتوضيح بارادة جهة المشرق، وفيها أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان واقفا عند بيت أم المؤمنين، ثم اشار إلى المشرق.
وفي الصحيحين:
" 7093 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا [ص:54]: إنه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ المَشْرِقَ يَقُولُ: «أَلاَ أن الفِتْنَةَ هَا هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
"صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ المَشْرِقِ» - ج 9 ص 53، وصحيح مسلم - بَابُ الْفِتْنَةُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - ج 4 ص 2228
ففي هذه الرواية قد صرح ابن عمر رضي الله عنه باستقبال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم للمشرق، وفي هذا توضيح منه رضي الله عنه، وهو الشاهد على فعل النبي صلى الله عليه واله وسلم بأن المراد جهة الشرق .
وفي مسند الإمام أحمد:
" 6302 - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا حَنْظَلَةُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُشِيرُ بِيَدِهِ يَؤُمُّ الْعِرَاقَ: " هَا، أن الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، هَا، أن الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ [2]"
وفي هذه الرواية تحديد العراق باعتباره في جهة الشرق، وحدوث الفتن فيه، وهذا من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه واله وسلم، واخباره عن فتن تقع في الامة في المشرق، وقد وقع من الفتن في العراق الشيء الكثير، ومنها معركة الجمل، والقتال مع الخوارج في زمن امير المؤمنين علي رضي الله عنه ثم بعد ذلك اغتالوه، وووقع في العراق قتل الشهيد السعيد السبط الحسين رضي الله عنه، ووقع تأمر الرافضة مع التتار، واسقاطهم الخلافة العباسية في بغداد مع حدوث المذابح العظيمة لمئات الالاف من المسلمين .
وفي صحيح البخاري:
" 1037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ:«اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، وَفِي يَمَنِنَا» قَالَ: قَالُوا:وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا» قَالَ: قَالُوا:وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ:قَالَ: «هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ»
" صحيح البخاري - بَابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلاَزِلِ وَالآيَاتِ - ج 2 ص 33
وقال الحافظ ابن حجر:
" وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ نَجْدٌ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ وَمَنْ كان بِالْمَدِينَةِ كان نَجْدُهُ بَادِيَةَ الْعِرَاقِ وَنَوَاحِيهَا وَهِيَ مَشْرِقُ أهل الْمَدِينَةِ وَأَصْلُ النَّجْدِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ وَهُوَ خِلَافُ الْغَوْرِ فَإنه مَا انْخَفَضَ مِنْهَا وَتِهَامَةُ كُلُّهَا مِنَ الْغَوْرِ وَمَكَّةُ مِنْ تِهَامَةَ انْتَهَى وَعُرِفَ بِهَذَا وَهَاءَ مَا قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ أن نَجْدًا مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ فَإنه تَوَهَّمَ أن نَجْدًا مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَا يَلِيهِ يُسَمَّى الْمُرْتَفِعُ نَجْدًا وَالْمُنْخَفِضُ غَوْرًا
فتح الباري – أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر – ج 13 ص 47
وقال الحافظ الهيثمي:
" 5816 - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفَجْرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا وَصَاعِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنَا ". فَقَالَ رَجُلٌ: وَالْعِرَاقُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " مِنْ ثَمَّ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ، وَتُهَيَّجُ الْفِتَنُ».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
5817 - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «دَعَا نَبِيُّ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدِّنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَكَّتِنَا وَمَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنَا "، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَعِرَاقِنَا؟ فَقَالَ: " أن بِهَا قَرْنَ الشَّيْطَانِ، وَتَهَيُّجَ الْفِتَنِ، وَإِنَّ الْجَفَاءَ بِالْمَشْرِقِ».
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ " مجمع الزوائد – أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي – ج 3 ص 305
وفي صحيح مسلم:
" 48 - (2905) حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» يَعْنِي الْمَشْرِقَ "
صحيح مسلم - بَابُ الْفِتْنَةُ مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ - ج 4 ص 2229
فيدعي الرافضة أن هذا الحديث فيه تكفير لام المؤمنين رضي الله عنها، وهذا أن دل على شيء فانما يدل على جهل في الاستدلال، وانتكاسة في عقول الرافضة، فقد جاء في الروايات الصحيحة الصريحة أن المراد بذلك المشرق، كما جاء في الصحيحين: " 3301 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رَأْسُ الكُفْرِ نَحْوَ المَشْرِقِ، وَالفَخْرُ وَالخُيَلاَءُ فِي أهل الخَيْلِ وَالإِبِلِ، وَالفَدَّادِينَ أهل الوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ»
صحيح البخاري – بَابٌ خَيْرُ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الجِبَالِ -ج 4 ص 127، وصحيح مسلم -بَابُ تَفَاضُلِ أهل الْإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أهل الْيَمَنِ فِيهِ -ج 1 ص 72
وفي صحيح مسلم:
" 86 - (52) وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ حُجْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْكُفْرُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الْغَنَمِ، وَالْفَخْرُ وَالرِّيَاءُ فِي الْفَدَّادِينَ أهل الْخَيْلِ"
صحيح مسلم - بَابُ تَفَاضُلِ أهل الْإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أهل الْيَمَنِ فِيهِ-ج 1 ص 72
وفيه: " 90 - (52) حَدَّثَنَا أبو بَكْرِ بْنُ أبي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَاكُمْ أهل الْيَمَنِ، هُمْ أَلْيَنُ قُلُوبًا وَأَرَقُّ أَفْئِدَةً، الْإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ، رَأْسُ الْكُفْرِ قِبَلَ الْمَشْرِقِ»
صحيح مسلم - بَابُ تَفَاضُلِ أهل الْإِيمَانِ فِيهِ، وَرُجْحَانِ أهل الْيَمَنِ فِيهِ-ج 1 ص 73
ثم نقول كيف يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم عن أم المؤمنين رضي الله عنها راس الكفر، ثم يبقيها في عصمته والله تعالى يقول في القران الكريم: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10].
وسمعت بعض الرافضة يستدل بكلمة ها هنا ويقول إنها تفيد القريب ولا تفيد البعيد، فأقول أن هذا جهل في الاستدلال، فلو سألك أحد فقال لك اين القبلة، فسوف تشير إلى اتجاه القبلة، وتقول للسائل من هنا، ولا تقول له من هناك، وبينك وبين القبلة الاف الاميال، ومن وجه اخر فقد ورد في الأحاديث النبوية الشريفة استخدام من ها هنا للبعيد أيضًا، ففي البخاري: " 4387 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبي حَازِمٍ، عَنْ أبي مَسْعُودٍ، أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الإِيمَانُ هَا هُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلى اليَمَنِ، وَالجَفَاءُ وَغِلَظُ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ»
صحيح البخاري - بَابُ قُدُومِ الأَشْعَرِيِّينَ وَأَهْلِ اليَمَنِ – ج 5 ص 173
فبين النبي صلى الله عليه واله وسلم، وبين اليمن مسافة بعيدة، ومع هذا استخدم النبي صلى الله عليه واله وسلم كلمة هاهنا، فيحمل كلام النبي صلى الله عليه واله وسلم على الوجه اللغوي، والشرعي، والعرفي، وذلك لان النبي صلى الله عليه واله وسلم عربي من قريش فكلامه حجة كما هو كلام اي عربي في عصره قد تكلم بلغة العرب وكان منهم، واما الوجه الشرعي فهو صلى الله عليه واله وسلم يبين الحقائق الشرعية، ولا تؤخذ الحقائق الشرعية من غيره، واما من الناحية العرفية، فقد ذكرت أن المسؤول عن القبلة فإنه يقول من هنا وان كان بينه وبينها الاف الاميال .
ووردت أحاديث اخرى عن النبي صلى الله عليه واله وسلم فيها استخدام ها هنا في الاشارة للبعيد.
قال الإمام البخاري:
" 3498 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أبي مَسْعُودٍ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مِنْ هَا هُنَا جَاءَتِ الفِتَنُ، نَحْوَ المَشْرِقِ، وَالجَفَاءُ وَغِلَظُ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ أهل الوَبَرِ، عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ وَالبَقَرِ، فِي رَبِيعَةَ، وَمُضَرَ»
صحيح البخاري - بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا أن أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ – ج 4 ص 179
قال الحافظ ابن حجر:
" قَوْله الْفِتْنَة هَا هُنَا الْفِتْنَة هَا هُنَا كَذَا فِيهِ مَرَّتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ هَا أن الْفِتْنَة هَا هُنَا أَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَوْلُهُ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ وَفِي رِوَايَة عبد الرَّزَّاق هَا هُنَا أَرْضُ الْفِتَنِ وَأَشَارَ إلى الْمَشْرِقِ يَعْنِي حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ إلا أن الْفِتْنَة هَا هُنَا يُشِيرُ إلى الْمَشْرِقِ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ مِثْلُ مَعْمَرٍ لَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَوْ قَالَ قَرْنُ الشَّمْسِ بَلْ قَالَ يَعْنِي الْمَشْرِقَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عمار عَن سَالم سَمِعت بن عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَيَقُولُ هَا أن الْفِتْنَة هَا هُنَا ثَلَاثًا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ أن الْفِتْنَة هَا هُنَا ثَلَاثًا وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ يَا أهل الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلُكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ وَأَرْكَبُكُمُ الْكَبِيرَةَ سَمِعْتُ أبي يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول أن الْفِتْنَة تَجِيء من هَا هُنَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ كَذَا فِيهِ بِالتَّثْنِيَةِ وَلَهُ فِي صِفَةِ إِبْلِيسَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ بن عُمَرَ مِثْلُ سِيَاقِ حَنْظَلَةَ سَوَاءٌ وَلَهُ نَحْوُهُ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أخرجهُ فِي الطَّلَاقِ ثُمَّ سَاقَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ مِثْلَ رِوَايَةِ يُونُسَ إلا إنه قَالَ إلا أن الْفِتْنَة هَا هُنَا وَلَمْ يُكَرِّرْ
فتح الباري – أحمد بن علي بن حجر – ج 13 ص 46
وفي الصحيحين:
" 1958 - حَدَّثَنَا أحمد بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أبي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أَمْسَى قَالَ لِرَجُلٍ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي» قَالَ: لَوِ انْتَظَرْتَ حَتَّى تُمْسِيَ؟ قَالَ: «انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، إذا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ هَا هُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»
صحيح البخاري - بَابُ تَعْجِيلِ الإِفْطَارِ - ج 3 ص 36، وصحيح مسلم - بَابُ بَيَانِ وَقْتِ انْقِضَاءِ الصَّوْمِ وَخُرُوجِ النَّهَارِ - ج 2 ص 773
واما قرن الشيطان فهو شيء قبل ولادة النبي صلى الله عليه واله وسلم، فضلا عن ولادة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا ثابت عند أهل السنة، وعند الرافضة أيضًا.
ففي صحيح الإمام البخاري:
" 3272 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إذا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإذا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ، وَلاَ تَحَيَّنُوا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوِ الشَّيْطَانِ» لاَ أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ، قَالَ هِشَامٌ
صحيح البخاري - بَابُ صِفَةِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ - ج 4 ص 123
وفي صحيح الإمام مسلم:
" 173 - (612) وَحَدَّثَنِي أحمد بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أبي أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشَّمْسُ وَكان ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فَإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ»
صحيح مسلم - بَابُ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ - ج 1 ص 427
فالروايات دالة على أن الشمس تشرق بين قرني الشيطان، فقرن الشيطان وشروق الشمس بين قرنيه أمر لا علاقة له ببيت أم المؤمنين رضي الله عنها الذي هو بيت النبي صلى الله عليه واله وسلم، قال الإمام النووي: " قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قِيلَ الْمُرَادُ بِقَرْنِهِ أُمَّتُهُ وَشِيعَتُهُ وَقِيلَ قَرْنُهُ جَانِبُ رَأْسِهِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ فَهُوَ أَوْلَى وَمَعْنَاهُ إنه يُدْنِي رَأْسَهُ إلى الشَّمْسِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِيَكُونَ السَّاجِدُونَ لِلشَّمْسِ مِنَ الْكُفَّارِ فِي هَذَا الْوَقْتِ كَالسَّاجِدِينَ لَهُ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ لَهُ وَلِشِيعَتِهِ تَسَلُّطٌ وَتَمَكُّنٌ مِنْ أن يُلَبِّسُوا عَلَى الْمُصَلِّي صَلَاتَهُ فَكُرِهَتِ الصَّلَاةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ لِهَذَا الْمَعْنَى كَمَا كُرِهَتْ فِي مَأْوَى الشَّيْطَانِ
شرح صحيح مسلم – أبو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 5 ص 112 – 113
وقد ورد في كتب الرافضة أن الشمس تغرب، وتشرق بين قرني الشيطان.
ففي الكافي: " 2- أبو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أبي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ تُصَلَّى عَلَى الْجِنَازَةِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ إنها لَيْسَتْ بِصَلَاةِ رُكُوعٍ ولَا سُجُودٍ وإِنَّمَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِهَا الَّتِي فِيهَا الْخُشُوعُ والرُّكُوعُ والسُّجُودُ لِأَنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وتَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ
الكافي – الكليني - ج 3 ص 180، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – صحيح – ج 14 ص 45
وفي علل الشرائع للصدوق:
" 1 - حدثنا محمد بن علي ماجيلويه قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد ابن أحمد بن يحيى عن علي بن أسباط عن الحسن بن علي عن سليمان بن جعفر الجعفري قال سمعت الرضا عليه السلام يقول: إنه لا ينبغي لأحد أن يصلى إذا طلعت الشمس لأنها تطلع بقرني شيطان فإذا ارتفعت وصفت فارقها فيستحب الصلاة في ذلك الوقت والقضاء وغير ذلك فإذا انتصف النهار قارنها فلا ينبغي لأحد أن يصلى في ذلك الوقت لان أبواب السماء قد غلقت فإذا زالت الشمس وهبت الريح فارقها
علل الشرائع - الصدوق - ج 2 ص 343
وقال الحلي:
وعند اصفرارها حتى يتم غروبها، لقوله (عليه السلام): أن الشمس تطلع ومعها قرن شيطان، فإذا ارتفعت فارقها، ثم إذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها. ومعنى قرن الشيطان قومه، وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات . وقيل: أن معناه أن الشيطان يدني رأسه من الشمس في هذه الأوقات، ليكون الساجد للشمس ساجدا له
نهاية الإحكام - الحلي - ج 1 ص 320