كتاب العقد الفريد في الميزان (1)
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
لم يكن خطرُ الشيعة عبر التاريخ مقتصرًا على الخلاف العقدي فحسب، بل تعدّاه إلى وضع الأحاديث الباطلة، ونشر الروايات المكذوبة، والطعن في الصحابة رضي الله عنهم، ثم تمرير ذلك في ثوب الأدب أو التاريخ أو الأخبار، ليُخدع بها القارئ غير المتخصص. ومن أبرز الأمثلة على هذا المسلك كتاب «العقد الفريد» لأحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، الذي شاع بين الناس على إنه كتاب أدب وتاريخ، بينما امتلأت صفحاته بأخبار واهية، وأحاديث موضوعة، وطعنٍ صريح أو خفي في خيار هذه الأمة.
وقد تنبّه كبار أئمة أهل السنة إلى خطورة هذا الكتاب، وصرّحوا بأن مؤلفه كان فيه تشيّع شنيع وميلٌ ظاهر للحدّ من بني أمية والطعن في الصحابة، وهي سِمَةٌ معروفة عند الشيعة الذين اتخذوا من الرواية سلاحًا لضرب الإسلام من داخله. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يضع كتاب العقد الفريد في الميزان العلمي، ويكشف زيف كثير مما ورد فيه، ويبيّن أن ما فيه من طعن وافتراء ليس من الإسلام في شيء، بل هو امتداد لمنهج فرقة ضالة لا تمثّل أهل السنة ولا عقيدة المسلمين.
صاحب الكتاب: صنفه أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه القرطبي الأندلسي..
مولى هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي ولد سنة ( (246هـ...
ونشأ بمدينة قرطبة وكان في شرخِ شبابه صاحب لهو وطرب ثم رجع في كبره عن ذلك.
وجاء في معجم الأدباء لياقوت ـ رحمه الله تعالى:
ولأبى عمر أيضا أشعار كثيرة سماها الممحصات وذلك إنه نقض كل قطعة قالها في الصبا والغزل بقطعة في المواعظ والزهد (1/614)
قال عنه ابن كثيرـ رحمه الله تعالى ـ:
(كان من الفضلاء المكثرين والعلماء بأخبار الأولين والمتأخرين.. ويدل كثير من كلامه على تشيع فيه وميل إلى الحد من بني أمية وهذا عجيب منه لإنه أحد مواليهم وكان الأولى به أن يكون ممن يواليهم لا ممن يعاديهم)
البداية والنهاية (11/230)
وقال في موضع آخر ـ رحمه الله تعالى ـ:
لان صاحب العقد كان فيه تشيع شنيع ومغالاة في أهل البيت، وربما لا يفهم أحد من كلامه ما فيه من التشيع. البداية والنهاية (10/ 23)
توفي سنة (328هـ) عفا الله عنا وعنه.
كتاب العقد حسناته وسيئاته:
وكتاب العقد مخلوط صحيحه بواهيه محذوف الأسانيد والرواة واعتمدَ على مصادر لا يجوز النقل منها إلا بعد تثبت..
ولم يعتمد مؤلفه في النقل منها إلا الطرفة والملحة إذ في كتابه ميل إلى الفكاهة والدعابة ونزوع إلى القصص والنوادر والنكات فتراه في كتابه يذكر الكثير من ذلك..
أولا يستنكف عن ذكر بذيء اللفظ وسافل المعنى ورغم ذلك فإن المسحة الأدبية تبدو قوية في كتابه بحيث يشعر بها كل من يقرأ(العقد) أو يتصفحه).
كتب حذر منها العلماء (2 /44)
وأثنى على كتابه الإمام ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ فقال:
( وكتابه العقد يدل على فضائلَ جمة وعلوم كثيرة مهمة).
البداية والنهاية (11 /230)
وقال الشيخ عائض القرني عن الكتاب: (وهو من أحسن الكتب فوائد) وذكر ثلاث ملاحظات عليه فقال:
1 - إنه يورد كثيرا من الأحاديث الموضوعة والباطلة ثم لا يعلق عليها.
2 - الرجل شيعي يتكلم في بني أمية ويزري عليهم خاصة الصدر الأول كمعاوية وابنه.
3 - إنه يفحش في باب النساء وفي بعض الأبواب كأبواب الحمقى والمتماجنين. وهذا لا يليق بالمسلم الأديب الذي يريد الله والدار الآخرة. ( اقرأ باسم ربك ص:222).
4 - وما ورد في (العقد) من العظائم يحطُ من قدر المؤلِّف والمؤلَّف فقد ملأ كتابه بأحاديث ضعيفة ـ كما ذكر الشيخ عائض ـ وأخبار واهية..
5 - وأنقص من قدر آل البيت والصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ بنقله أكاذيب يتورع عنها العامة ويمجُها من به ذرة من عقل..
فكيف بالصحابة الذين هم أفضل البشر بعد الأنبياء فأنت حين تقرأ ما ذكره عن أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقشعر جلدك ويضيق صدرك وتتمنى لو لم ينظر إليه طرفك
ولا تملك إلا أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله وتسأل الله السلامة والعافية وأن يتجاوز عنا وعنه.
كذبه على أصحاب محمد ـ صلى الله عليه وسلم:
أولا: كذبه على أمير المؤمنين ذي النورين ـ رضي الله عنه:
وذكر أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ لما ولي قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم أُرتج عليه فقال:
"أيها الناس: أن أول مركب صعب، وإن أعش فستأتيكم الخُطب على وجهها، وسيجعل الله بعد عسر يسر"
(العقد الفريد (4 / 156 ـ 157)
وذكرها في موضع آخر من (العقد) تحت هذا العنوان: من أُرتج عليه في خطبته
وقال: ( أول خطبة خطبها عثمان بن عفان أُرتج عليه).
العقد الفريد (4 / 231)
وأوردها الجاحظ المعتزلي في (البيان والتبيين) بصيغة أخرى فقال:
وصعد عثمان المنبر فأرتج عليه فقال: (إن أبا بكر وعمر كانا يُعدان لهذا المقام مقالا وأنتم إلى إمام عادل أحوج منكم إلى إمام خطيب وستأتيكم الخطب على وجهها وتعلمون أن شاء الله تعالى)
البيان والتبيين (1 / 324)
والعجيب أن هؤلاء القصاصين لا يروون لعثمان ـ رضي الله عنه ـ غير هذه الخطبة التي يتهمونه فيها بإنه عييٌّ غير بليغ حَصِرٌ غير خطيب!
ـ وحاشا أمير المؤمنين ذلك ـ وهو من أشراف قريش ملوك الفصاحة والبيان!
وأين خطبه الرنانة التي صدع بها في زمن خلافة التي امتدت سنين؟!
وهذا الخبر باطل وعثمان ـ رضي الله عنه ـ منه براء ويدل على بطلإنه أمران:
أولا: ما رواه ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ:
(...وأما أول خطبة خطبها بالمسلمين، فروى سيف بن عمر بن بدر بن عثمان عن عمه قال:
لما بايع أهل الشورى عثمان خرج وهو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وقال:
إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه فلقد أتيتم صبِّحتم أو مُسيتم، إلا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور واعتبروا بمن مضى ثم جدوا ولا تغفلوا أين أبناء الدنيا وإخوانهم الذين أثاروها وعمروها ومتعوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها واطلبوا الآخرة فإن الله قد ضرب لها مثلا بالذي هو خير
فقال تعالى (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كما أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا)
قال: وأقبل الناس يبايعونه).
ثانياً: قوله ـ رحمه الله تعالى:
بعد أن أورد هذه الخطبة البليغة المؤثرة التي لا تصدر من عيي ولا يقولها حَصِر: وما يذكره الناس من أن عثمان لما خطب أُرتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس أن أول مركب صعب وإن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها فهو شيء يذكره صاحب العقد وغيره ممن يذكر طرف الفوائد ولكن لم أرَ هذا بإسناد تسكن النفس إليه والله اعلم).
]البداية والنهاية (7 / 159)[
فهل تصدر هذه الخطبة البليغة من رجل عيي؟!
أم إنه التجرؤ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والحط من منزلتهم؟!
ثانياً: كذبه على الصحابي الجليل حسان ـ رضي الله عنه ـ:
وذكر أن حسان بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ شاعر الأمة والمنافح عن الرسالة بكى حين سمع قينة تغني لأنها شوقته لحياته الجاهلية:
"عن الأصمعي قال: شهد حسان بن ثابت مأدبة لرجل من الأنصار وقد كف بصره ومعه ابنه عبد الرحمن فكلما قدم شيء من الطعام قال حسان لابنه عبد الرحمن:
أطعام يد أم طعام يدين؟
فيقول له طعام يد حتى قدم الشواء
فقال له هذا طعام يدين فقبض الشيخ يده فلما رُفع الطعام اندفعت قينة تغني بهم بشعر حسان:
انظر خليلي بباب جلّق هل *** تبصر دون البلقاء من أحد
جمال شعثاء إذا هبطن من الـ *** محبس بين الكثبان فالسند
قال: فجعل حسان يبكي وجعل عبد الرحمن يومئ إلى القينة أن تردد!
قال الأصمعي: فلا أدري ما الذي أعجب عبد الرحمن من بكاء أبيه)
العقد الفريد( (7/7..
فانظر لهذه الكذبة ما أقبحها!
أيعقل أن حسانا يستمع للغناء بعد كل هذه المواقف التي حضرها من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والأدهى من ذلك أنها في بيت رجل من الأنصار!
ثالثاً: كذبه على ابن عمر ـ رضي الله عنها ـ
ونقل عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ إنه شرب الخمر فحُد: قال صاحب العقد:
"ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب شرب بمصر فحده عمرو بن العاص سرّا فلما قدم على عمر جلده حدا آخر علانية".
العقد الفريد (8/62)
أسألكم بالله أيصدر هذا الفعل ممن كان متمسكا بسنة المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد التمسك وكان يتتبع آثاره ويصلي فيها؟؟؟
والذي كان إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به وجاد به قربة لله عز وجل!
أيصدر هذا السلوك المشين ممن مكث ستين سنة يفتي المسلمين وكان عمره يوم وفاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ اثنان وعشرون سنة ومنها إلى أن توفي وهو في جهاد ودعوة!
أيصدر هذا الفعل منه وقد روى أحاديث كثيرة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن جلّة الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ ولكن سبحان من يهب لمن يشاء عقولا
! انظر ترجمة هذا العلم في.. البداية والنهاية (9/8).
الذي ذُكِر أنَّه: شرب الخمر ـ كما هو مشهور في كتب الأدب..
اضافة مفيدة:
المقصود من الكاتب ابن عبد ربه فى "باب من شرب الخمر من الاشراف"ـ
هو عبيد الله بن عمر بن الخطاب، لا عبد الله بن عمر بن الخطاب، والله أعلم بصحة ذلك، فإن الأصل في الصحابة رضي الله عنهم العدالة.
قال العلامة الزين قاسم، في حاشيته على شرح النخبة لشيخه ابن حجر " قوة الحديث إنما هي بالنظر إلى رجاله لا بالنظر إلى كونه في كتاب كذا " انتهى
ففي طبعة العقد الفريد تصحيف، والطبعة القديمة ـ تحقيق العريان ـ كان فيها الاسم على صحَّته "عبيد الله بن عمر " ـ والله أعلم ـ.
و قد ورد ذكر عبيد الله بن عمر بن الخطاب في التواريخ في عدة مواضع.
فهو عبيد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، وأمه أم كلثوم بنت جرول الخزاعية وهو أخو حارثة بن وهب الصحابي المشهور لأمه.
ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من شجعان قريش وهو القائل:
أنا عبيد الله سماني عمر
خير قريش من مضى ومن غبر
حاشا نبي الله والشيخ الأغر
خرج إلى العراق غازياً في زمن أبيه مع أخيه عبد الله، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وقال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت.
ثم قال: بلى، ها هنا مال من مال الله، أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين وأسلفكما فتبتاعان به من متاع العراق ثم تبيعإنه بالمدينة فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما الربح ففعلا.
وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما على عمر قال:
أكل الجيش أسلفهم، فقالا: لا،
فقال عمر: أديا المال وربحه.
فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، لو هلك المال أو نقص لضمناه، فقال: أديا المال.
فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله، فقال رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً،
فقال عمر: قد جعلته قراضاً فأخذ رأس المال ونصف ربحه، وأخذا النصف الباقي.
وقد كان يتكنى بأبي عيسى، فضربه عمر وقال: أتتكنى بأبي عيسى؟
وهل كان له من أب؟
ولما قتل عمر رضي الله عنه:
أخبرهم عبد الرحمن بن أبي بكر بإنه رأى الهرمزان وجفينة وأبا لؤلؤة يتناجون فنفروا منه فسقط من بينهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه..
فلما رأو الخنجر الذي قتل فيه عمر رضي الله عنه على نفس الوصف الذي ذكر عبد الرحمن، خرج عبيد الله مشتملاً على السيف حتى أتى الهرمزان وطلب منه أن يصحبه حتى يريه فرساً له، وكان الهرمزان بصيراً بالخيل.
فخرج يمشي معه فعلاه عبيد الله بالسيف فلما وجد حر السيف صاح (لا إله إلا الله)، ثم أتى جفينة وكان نصرانياً فقتله.
فقبض عليه وسجن إلى أن تولى عثمان الخلافة فاستشار الصحابة في أمره فأفتى بعضهم بقتله، وأفتى بعضهم الآخر بالدية...
فأدى عثمان الدية من ماله وأطلقه، وشارك في موقعة صفين وقتل فيها سنة 37هـ، رضي الله عن صحابة رسول الله أجمعين.
انتهت الاضافة..............
الشبهة:
|
يستدل بعضهم بكتاب العقد الفريد على الطعن في الصحابة رضي الله عنهم، ويزعمون أن ما ورد فيه من أخبار إنما هو تاريخ وأدب تناقله العلماء، وأن مؤلفه من كبار الأدباء الثقات. |
الرد على الشبهة:
◘ ابن عبد ربه نفسه متَّهم بالتشيّع بشهادة الإمام ابن كثير، الذي صرّح بمغالاة المؤلف في أهل البيت.
◘ الكتاب خالٍ من الأسانيد في أكثر مواضعه، والأصل عند أهل السنة أن الدين يُؤخذ بالإسناد لا بالحكايات.
◘ ما أورده من طعن في عثمان، وحسان، وابن عمر مخالف لما ثبت في كتب السنة الصحيحة.
◘ العلماء ميّزوا بين الأدب والرواية، فليس كل ما في كتب الأدب يُقبل أو يُحتج به.
◘ وجود تصحيفات وأخطاء جسيمة في بعض الطبعات، كما في قصة عبد الله بن عمر، مما يدل على عدم ضبط الروايات.
فالنتيجة: هذه الشبهة ساقطة، ولا يصح جعل كتاب العقد الفريد مصدرًا للطعن في الصحابة، بل هو شاهد على منهج الشيعة في الكذب والتدليس.