تدوين السنة النبوية
من الكتابة الفردية إلى الجمع الرسمي في عهد عمر بن عبد العزيز
انتشرت بين بعض أتباع الشيعة شبهات حول تدوين السنة النبوية وموثوقيتها، مدعين أن الصحابة لم يكتبوا الحديث عن النبي ﷺ، وأن كتب السنة مليئة بالأحاديث الباطلة أو الملفقة.
في هذا المقال، نسلط الضوء على تاريخ تدوين السنة النبوية، مراحل جمعها، واهتمام الخلفاء والصحابة بحفظها وكتابتها. كما نوضح الفرق بين المصادر الصحيحة الموثوقة والسرديات الشيعية غير المدعومة بالأسانيد الصحيحة، لتبيان أن الشيعة ليسوا على منهج أهل السنة، وأن اعتمادهم على أحاديث باطلة يجعلهم فرقة ضالة وفق المعيار الشرعي.
تنقسم مرحلة تدوين السنة النبوية إلى مرحلتين:
مرحلة الكتابة الفردية ومرحلة الكتابة الجماعية.
مرحلة الكتابة الفردية:
وكان الصحابة لا يكتبون عن النبي غير القرآن، امتثالا لأمره e فيما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله e قال: «لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه». وذلك لئلا يختلط القرآن بالسنة، وهم حديثو عهد بالقرآن وأسلوبه، ولم يذع القرآن، ولم ينتشر على ألسنتهم بعد. ولكن لما شاع القرآن بين المسلمين، وأصبحوا يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، سمح لهم بكتابة الحديث، بل أمر به بعضهم في بعض المناسبات.
كما روى البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا شاه اليمني التمس من رسول الله e أن يكتب له شيئا مما سمعه من خطبته عام فتح مكة، فقال e «كتبوا لأبي شاه».
وقد كتب بعض الصحابة الحديث، وثبت امتلاك عدد منهم لصحف خاصة، دونوا فيها أحاديثه عليه الصلاة والسلام.
فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال:
«ما من أصحاب النبي e أحد أكثر حديثا مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان يكتب ولا أكتب». وكان لعبد الله بن عمرو بن العاص صحيفة يسميها الصادقة، وذكر مسلم في صحيحه كتابا في قضاء علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقد كانت كتابة الحديث في عصر الصحابة رضوان الله عليهم كتابة فردية لم تأخذ الصفة الرسمية العامة.
ولما توفي رسول الله e طرحت فكرة جمع السنة من قبل الدولة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستشار الصحابة في ذلك، ولبث يستخير الله في ذلك شهرا، ثم عدل عن ذلك خشية اشتباه السنة بالقرآن، في زمن لم ينته فيه الصحابة من جمع القرآن وتحريره في مصحف واحد.
وهكذا تناقل الصحابة الحديث شفاها مع بعض الكتابات الفردية المتفرقة، واستمر الأمر على ذلك إلى أوائل عصر التابعين.
مرحلة التدوين الرسمي:
ولما أفضت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز سنة تسع وتسعين هجرية، أمر بجمع الحديث وتدوينه، قال البخاري: « وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله e فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء. وأبو بكر بن حزم كان نائب عمـر بن عبد العزيز في الإمارة والقضاء على المدينة، وتوفي عمر بن عبد العزيز قبل أن يبعث إليه ما كتبه» (صحيح البخاري1/186ح34).
وأول من استجاب لهذا الطلب الإمام محمد بن شهاب الزهري (ت:124هـ) ثم شاع التدوين في الطبقة التي بعده.
وممن جمع الحديث في الأمصار ابن جريج في مكة وابن إسحاق في المدينة (ت:150هـ)، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة[(ت:167هـ) وسفيان الثوري (ت:161هـ) في الكوفة. والأوزاعي (ت:157هـ) في الشام. وهشام ومعمر باليمن. وكان هؤلاء في عصر واحد ولا يدرى أيهم أسبق في التصنيف.
وميزة التدوين في هذا العصر أن الحديث كان ممزوجا غالبا بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين كما في موطأ الإمام مالك.
ثم عني العلماء بعد عصر التابعين بإفراد أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتجريدها من الفتاوى وأقوال الصحابة والتابعين.
ويعد القرن الثالث الهجري العصر الذهبي لتدوين السنة، حيث وقف عدد من العلماء حياتهم وجهودهم على طلب السنة والرحلة من أجلها، ومن هؤلاء الإمام البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود، والنسائي، وأحمد بن حنبل وغيرهم» (الحديث النبوي للدكتور محمد لطفي الصباغ).
وبعد هذا تبطل الشبهة الرافضية القديمة التي اقتبسها المستشرقون وأرادوا بها الطعن في تدوين السنة النبوية.
الشبهة:
هل كتب الصحابة الحديث عن النبي ﷺ أم أن جميع ما كتب لاحقاً ملفق أو ضعيف؟
الرد:
◘ الكتابة الفردية للصحابة كانت موجودة، وتركزت على التوثيق الشخصي، ولم يمنع الإسلام من الكتابة بعد انتشار القرآن.
◘ الخلافة لاحقاً اهتمت بجمع السنة رسمياً في عهد عمر بن عبد العزيز والزعماء من بعده، لضمان حفظها من الضياع.
◘ كتب السنة الصحيحة مثل البخاري ومسلم تعتمد على التحقق من الإسناد والرواية، ولا يمكن التشكيك فيها بمزاعم الشيعة أو المستشرقين.