فساد الرواية وأسباب عدم صحتها
تعد قضية الروايات الشيعية والمواضيع التي تحاول نسبها إلى الصحابة رضوان الله عليهم من أهم القضايا التي تستحق التحقيق النقدي، خصوصًا تلك الروايات التي توظف لتشويه الصحابة أو إثارة جدل حولهم. ومن أبرز هذه الروايات ما ورد في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري، حيث نقل عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون، رواية مفادها أن أبا بكر الصديق أرسل إلى عليّ رضي الله عنه للبيعة فلم يبايع فورًا، وأن فاطمة عليها السلام واجهت عمر بن الخطاب عند الباب، ثم بايع عليّ فيما بعد.
تكشف الدراسة النقدية للرواية عن فسادها من جهتين رئيسيتين: الانقطاع في السند، وحقيقة تواريخ الرواة، حيث لم يشارك سليمان التيمي في ذلك العصر، وولد عبد الله بن عون بعد وقوع الحادثة بخمسين سنة تقريبًا، ما يجعل الرواية ساقطة من جهة التوثيق. ويستند المقال إلى تحقيقات علماء الحديث، مثل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء، لإثبات عدم صحة الرواية، كما يبين كيف أن الروايات الباطلة التي تنسب إلى الصحابة أو أهل البيت تُستغل أحيانًا لتحقيق أغراض مذهبية أو سياسية، مما يجعل دراسة سندها وتحقيق صدقها أمرًا ضروريًا لكل باحث أو قارئ يسعى لفهم التاريخ الإسلامي بدقة.
قال البلاذري:
" المدائني، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التيمي، وعن ابن عون أن أبا بكر أرسل إلى عليّ يريد البيعة، فلم يبايع. فجاء عمر، ومعه قبس فتلقته فاطمةُ على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب، أتراك محرّقاً علي بابي؟ قال: نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك. وجاء علي، فبايع وقال: كنتُ عزمتُ أن لا أخرج من منزلي حتى أجمع القرآن "
انساب الأشراف – أحمد بن يحيى البلاذري – ج 1 ص 252
هذه الرواية لا تصح ولو اغمضنا عن مسلمة بن محارب الذي لم يوثقه غير ابن حبان رحمه الله وهو متساهل في التوثيق كما نص العلماء على ذلك، فالرواية ساقطة من جهة الانقطاع فسليمان التيمي لم يدرك ذلك العصر، وكذلك عبد الله بن عون.
قال الإمام الذهبي في ترجمة سليمان التيمي:
" قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ: تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ بِالبَصْرَةِ، فِي ذِي القَعْدَةِ، سنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَةٍ.
وَرَوَى: أَبُو دَاوُدَ، عَنْ مُعْتَمِرِ بنِ سُلَيْمَانَ: أَنَّهُ مَاتَ ابْنَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً
" سير اعلام النبلاء – محمد بن أحمد الذهبي – ج 6 ص 202
اي انه ولد في سنة 46 للهجرة، اي بعد وقوع هذه الحادثة بأكثر من ثلاثين سنة.
وأما عبد الله بن عون، فقد قال الإمام الذهبي في ترجمته:
" 156 - عبد الله بن عون....... ولد سنة ست وستين................
وَمَاتَ: فِي شَهْرِ رَجَبٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَمائَةٍ.
وَكَذَا أَرَّخَ مَوْتَه: يَحْيَى القَطَّانُ فِيْهَا، وَالأَصْمَعِيُّ، وَسَعِيْدٌ الضُّبَعِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَسُلَيْمَانُ بنُ حَرْبٍ، وَخَلِيْفَةُ، وَابْنُ مَعِيْنٍ، وَهُوَ الصَّحِيْحُ.
وَقَالَ المُقْرِي، وَمَكِّيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ: سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَمائَةٍ"
سير اعلام النبلاء – محمد بن أحمد الذهبي – ج 6 ص 364 – 371
فولادته في سنة 66 للهجرة اي بعد الحادثة بخمسين سنة تقريبا، فالرواية لا تصح، وعلتها الانقطاع كما ذكرت.