إن من أخطر الأمور التي وقعت فيها بعض الفرق الضالة، لا سيما الشيعة الإمامية، هو اختلاق الأحاديث أو نسبتها لعلماء وثقات لتأكيد فضائل محددة أو إثارة الغلو في شخصيات معينة، بعيدًا عن النصوص الصحيحة والسنن النبوية. ومن ذلك ما ورد في النسخة الموضوعة المنسوبة إلى علي بن موسى الرضا، حيث ورد حديث يزعم أن الحسن والحسين عليهما السلام هما "سيدا كهول أهل الجنة"، وهو حديث لم يرد في المصادر الصحيحة بل أُلصق بطرق ضعيفة وموضوعة.

وقد أدى هذا التزوير إلى التضليل بين الناس، ومحاولة تحريف فهم الفضائل ومقام الصحابة والأئمة، وإظهار الحسن والحسين بمقام لم يثبت بأحاديث موثوقة، بينما يُثبت الحديث الصحيح فضل الصحابة الكبار كالرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما، دون الحاجة إلى اختلاق مثل هذه الروايات.

إن دراسة هذه الأحاديث المكذوبة مهمة لفهم منهج الفرق الضالة في صناعة الروايات وتزييفها، والتأكيد على ضرورة التثبت من صحة الأحاديث والاعتماد على المصادر الموثوقة، مثل صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد والكتب المعتبرة الأخرى، وعدم الانصياع للروايات الملفقة التي تهدف إلى الغلو أو تحريف التاريخ الإسلامي.

الشبهة: كيف يكونا من كهول أهل الجنة وأهل الجنة يكونون شبابا؟

قال ابن الأثير «الكَهْل من الرِجال مَن زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى تمام الخمسين. وقيل أراد بالكَهل هاهنا الحليمَ العاقِلَ. وفيه أنّ رجلا سألَه الِجهاد معه فقال هَلْ في أهْلِك مِن كاهِل يُروى بكسر الهاء على أنه اسم وبِفَتْحِها على أنه فَعْل بِوَزن ضارِبٍ وضارَبَ وهما من الكُهولة أي هل فيهم مَن أسَنَّ وصار كَهْلا كذا قال أبو عُبيد وردّه عليه أبو سعيد الضَّرير وقال قد يَخْلُف الرجلَ في أهله كَهْلٌ وغيرُ كَهل في المُلِمَّات وسَنَدُهم في المُهِمَّات ويقولون مُضَرُ كاهِل العرب وتميم كاهِل مُضَر وهو مأخوذ من كاهِل البَعير وهو مُقَدَّم ظَهْره وهو الذي يكون عليه المَحْمِلُ وإنما أراد بقوله هل في أهْلِك مَن تَعْتمِد عليه في القِيام بأمْرِ مَن تَخْلُف من صِغارِ وَلَدِك لئلاّ يَضِيعوا ألاَ ترَاه قال له ما هُم إلاّ أُصَيْبِيَةٌ صِغار فأجابه وقال ففِيهم فجاهِدْ وأنكَر أبو سعيد الكاهِل وزَعم أن العرب تقول للذي يَخْلُف الرجلَ في أهله ومالِه كاهِنٌ بالنون وقد كهَنَه يكْهُنُه كُهُونا فإمَّا أن تكون اللام مُبْدَلة من النون أو أخْطَأ السامعُ فظَنَّ أنه باللام وفي كتابه إلى اليمن في أوقات الصلاة والعِشاء إذا غاب الشَّفَقُ إلى أن تَذْهب كَواهِلُ الليل أي أوائِلُه إلى أوْساطه تشبيها لِلَّيل بالإبِل السائرة التي تتقدّم أعْناقُها وهَوادِيها ويَتْبَعُها أعجازُها وتَوالِيها والكَواهِل جَمْع كاهِل وهو مُقَدّم أعْلى الظَّهْر ومنه حديث عائشة وقَرّرَ الرُّؤوسَ على كَواهِلها أي أثْبَتَها في أماكِنها كأنها كانت مُشْفِيةً على الذَّهاب والهَلاك» (النهاية ص818 والفائق 3/ 288 لسان العرب 11/ 601 غريب الحديث لابن قتيبة1/ 322).

وقال المناوي في فيض القدير «المراد بالكهل هنا الحليم الرئيس العاقل المعتمد عليه يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات على أن ما صار إليه أولئك من أن الكهل من ناهز متفق عليه ففي النهاية الكهل من زاد عن ثلاثين إلى أربعين وقيل من ثلاث وثلاثين إلى خمسين وفي الصحاح من جاوز الثلاثين وخطه الشيب» (فيض القدير1/ 89).

ومن غرائب الشيعة التي لا تنتهي أنهم وضعوا حديثا في فضل الحسن والحسين وأنهما سيدا كهول أهل الجنة! وذلك في النسخة الموضوعة التي ألصقوها بعلي بن موسى الرضا (ذخائر ذوي العقبى ص32).

فأما الحديث الصحيح فردوه، لأنه في أبي بكر وعمر! وأما الموضوع فلا تجد لهم كلاما عليه، لأنه في الحسن والحسين

الشبهة:

كيف يكون الحسن والحسين من كهول أهل الجنة وأهل الجنة يكونون شباباً؟

الشبهة تتلخص في تساؤل منطقي قائم على النصوص القرآنية والحديثية الصحيحة حول صفات أهل الجنة، حيث ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية أن أهل الجنة يكونون في أفضل صورة شابة دائمًا، بلا شيخوخة ولا تعب: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ ۖ وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (محمد: 15)

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (التحريم: 6)

وأيضًا جاءت الأحاديث الصحيحة التي تصف أهل الجنة بأنهم شباب دائمون، بأعمار ثلاثين سنة، أي في أوج الصحة والحيوية، لا كبارًا في السن.

بناء على هذا، فإن وصف الحسن والحسين عليهما السلام بأنهما "سيدا كهول أهل الجنة" يثير اللبس: كيف يكونان من كبار السن أو "الكهول" بينما أهل الجنة شباب دائمون؟ وهذا يبدو تناقضًا ظاهريًا بين الحديث والواقع الشرعي.

 

الرد المفصّل على الشبهة:

أولاً: معنى "الكهول" اللغوي والدلالي

ابن الأثير في النهاية والمناوي في فيض القدير بينا أن كلمة "الكهل" لها عدة معانٍ:

المعنى الشائع: الرجل الذي زاد عمره عن ثلاثين سنة إلى الأربعين أو الخمسين، أي مرحلة بعد الشباب.

المعنى اللغوي الاصطلاحي: الشخص الحليم العاقل، المعتمد عليه، الذي يكون مرجعًا في المهمات والمسائل الصعبة، بغض النظر عن عمره الحقيقي.

في سياق الحديث الموضوع، يبدو أن الصياغة استخدمت "الكهول" للإشارة إلى الحسن والحسين كمثال للحلم والاعتماد عليهما في الأمور المهمة، لا للإشارة إلى العمر الفعلي.

يقول المناوي: "المراد بالكهل هنا الحليم الرئيس العاقل المعتمد عليه، يقال فلان كهل بني فلان وكاهلهم أي عمدتهم في المهمات وسيدهم في الملمات"

أي أن الكهول في الحديث الموضوع هو لقب شرفي معنوي، وليس وصفًا بالسن.

ثانيًا: الحديث موضوع وليس صحيحًا

الحديث الذي يزعم أن الحسن والحسين هما "سيدا كهول أهل الجنة" لم يرد في أي مصدر صحيح من كتب السنة، ولم يذكر في كتب أهل السنة المعتمدة مثل صحيح البخاري أو مسلم أو مسند أحمد.

النسخة التي ورد فيها الحديث موجودة عند الشيعة في ذخائر ذوي العقبى، وهي نسخة موضوعة.

بينما الحديث الصحيح في فضل الحسن والحسين موجود، لكن بدون هذا الوصف الغريب "كهول أهل الجنة"، ويؤكد مكانتهما دون اختلاق ألقاب لغوية أو وصفية مخالفة للشرع.

ثالثًا: أهل الجنة شباب دائمون

النصوص القرآنية والحديثية الصحيحة تؤكد أن أهل الجنة لا يشيخون، وأنهم دائمًا في أوج الشباب والحيوية.

استخدام كلمة "الكهول" في الحديث الموضوع لا يتوافق مع هذا الأصل، مما يثبت أنه أُلصق لغرض المبالغة أو الغلو في المكانة وليس لنقل حقيقة عن أهل الجنة.

رابعًا: المغزى الحقيقي من الأحاديث الصحيحة

الأحاديث الصحيحة تركز على: فضل الحسن والحسين، طاعة الله، الإحسان، وحسن الخلق، دون الغلو أو اختلاق ألفاظ.

من يتبع هذه الأحاديث الصحيحة يثبت مكانة الحسن والحسين عليهما السلام دون الحاجة إلى النصوص الملفقة.

أي حديث يوصف الحسن والحسين بما يتناقض مع النصوص الصحيحة أو الواقع الديني يجب اعتباره موضوعًا.

خامسًا: خلاصة الرد

الكهول هنا ليس العمر: المعنى لغوي ودلالي، يدل على الحلم والاعتماد، لا السن.

الحديث موضوع: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو الثقات.

أهل الجنة شباب دائمون: أي وصف "الكهول" غير متوافق مع الواقع الشرعي لأهل الجنة.

المغزى: الأحاديث الصحيحة تثبت مكانة الحسن والحسين من دون اختلاق الغلو.

إذن، الشبهة قائمة على فهم لفظي ظاهر، ولكن التحقيق اللغوي والديني يوضح أن الحديث لا أساس له، وأن أهل الجنة سيظلون شبابًا، والحسن والحسين لهم مكانتهم دون الغلو أو الاختلاق.