يا محمد إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك

ومنهج الرافضة في تفضيل علي بالطعن في غيره

لم يكن طعنُ الرافضة في الصحابة رضي الله عنهم قائمًا على النقد العلمي، ولا على قواعد المحدثين، وإنما تأسّس منذ نشأته على وضع الأحاديث، وبتر النصوص، واستغلال عاطفة حب آل البيت لإقصاء سائر الصحابة، وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم.

وقد درجت هذه الفرقة الضالة – الخارجة عن منهج أهل السنة والجماعة – على اختلاق روايات تُظهر عليًّا رضي الله عنه وكأنه الوحيد محل الفضل والاصطفاء، مع إسقاط فضائل الصحابة الثابتة بالقرآن والسنة المتواترة، ومن أشهر تلك الروايات: «إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك»

وهي رواية يتداولها الرافضة بكثرة في كتبهم ومنابرهم، محتجّين بها على تفضيل علي رضي الله عنه، والطعن الضمني في سائر الصحابة، مع أن هذه الرواية لا تثبت سندًا، ولا تصح متنًا، وقد حكم عليها أئمة الحديث بالوضع أو شدة الضعف.

وفي هذا المقال نعرض الرواية بطرقها المختلفة، ونكشف عللها الحديثية، ونبيّن سبب شيوعها في كتب الرافضة، ثم نوضّح المنهج السني الصحيح في فهم فضائل الصحابة دون غلوّ ولا جفاء.

نص الرواية:

حدثنا النضر بن حميد عن سعد الإسكاف عن أبي جعفر محمد بن علي عن أبيه عن جده قال: «أتى جبريل النبي e فقال: يا محمد إن الله يحب من أصحابك ثلاثة فأحبهم: علي بن أبي طالب وأبو ذر والمقداد بن الأسود. قال: فأتاه جبريل فقال يا محمد إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك. وعنده أنس بن مالك فرجا أن يكون لبعض الأنصار. قال: فأراد أن يسأل رسول الله e عنهم فهابه فخرج. فلقي أبا بكر فقال: يا أبا بكر إني كنت عند رسول الله آنفًا فأتاه جبريل فقال: إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك. فرجوت أن يكون لبعض الأنصار فهبت أن أسأله فهل لك أن تدخل على نبي الله فتسأله؟ فقال: إني أخاف أن أسأله فلا أكون منهم ويشمت بي قومي. ثم لقي عمر بن الخطاب فقال له مثل قول أبي بكر. فلقي عليًّا فقال له علي: نعم إن كنت منهم فأحمد الله وإن لم أكن منهم حمدت الله. فدخل على نبي الله فقال: إن أنسًا حدثني أنه كان عندك آنفًا وأن جبريل أتاك فقال: يا محمد إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة من أصحابك. قال: فمن هم يا نبي الله؟ قال: أنت منهم يا علي وعمار بن ياسر وسيشهد معك مشاهد بين فضلها عظيم خيرها وسلمان وهو منا أهل البيت وهو ناصح فاتخذه لنفسك».

قال الحافظ: «رواه أبو يعلى بسند ضعيف لضعف سعد بن طريف الإسكاف» (إتحاف الخيرة المهرة7/77).

وقال الهيثمي «فيه النضر بن حميد الكندي وهو متروك أيضا» (مجمع الزوائد9/145).

قال البزار «لا نعلمه يروى عن أنس إلا بهذا الإسناد، والنضر وسعد الإسكاف لم يكونا بالقويين في الحديث».

قال الألباني: «كذا قال، وهما أسوأ حالا من ذلك، فسعد الإسكاف قال فيه ابن حبان في (الضعفاء1/357) «كان يضع الحديث على الفور».

قلت: صدق الشيخ الألباني فقد قال عنه الحافظ «سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي متروك ورماه بن حبان بالوضع وكان رافضيا من السادسة» (تقريب التهذيب1/334).

رواية أخرى:

وأخرج ابن الجوزى من طريق الحسن بن صالح عن أبى ربيعة الإيادي عن الحسن عن أنس مرفوعا «اشتاقت الجنة الى ثلاثة: علي وعمار وسلمان».

وأبو ربيعة هو عمر بن ربيعة، ذكر ابن أبى حاتم فى (الجرح والتعديل) ونقل عن يحيى بن معين أنه ثقة.

وعن أبيه قال: «منكر الحديث» (ميزان الاعتدال3/196 المغني في الضعفاء1/227).

وذهب الحافظ في التقريب إلى انه مقبول، غير انه نقل عن ابن أبي حاتم أنه منكر (لسان الميزان4/306).

رواية أخرى:

إن الجنة تشتاق إلى أربعة علي وسلمان وعمار والمقداد:

نا الحسين بن اسحاق التستري ثنا علي بن بحر ثنا سلمة بن الفضل الأبرش ثنا عمران الطائي قال سمعت أنس بن مالك يقول: «قال رسول الله e: إن الجنة تشتاق إلى أربعة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود».

وهي أيضا ضعيفة كما قال الألباني في (سلسلة الضعيفة والموضوعة5/351):

«رواه الطبراني في (المعجم الكبير6/263) وأبو نعيم في (حلية الأولياء1/142) و(أخبار أصبهان1/49) وعنه رواه ابن عساكر (تاريخ دمشق60/176). عن سلمة الأبرش عن عمران الطائي.

قال الألباني «وفيه عمران: ضعفه أبو حاتم و وثقه ابن حبان، وقال أبو حاتم «ما أظنه سمع من أنس شيئا».

قلت: وفي هذا الحديث صرح بسماعه منه. فالله أعلم. وسلمة الأبرش هو ابن الفضل، قال الحافظ «صدوق كثير الخطأ» لكن تابعه إبراهيم بن المختار عن أبي نعيم، وهو صدوق ضعيف الحفظ كما في (التقريب) وقد وصله عنه أبو نعيم في (صفة الجنة14/1) وفي (حلية الأولياء1/190) عن محمد بن حميد حدثنا إبراهيم بن المختار حدثنا عمران بن وهب عن أنس.

ومحمد بن حميد هو الرازي، قال في (التقريب) «حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه». ثم رواه ابن عساكر من حديث ابن عباس مرفوعا به، إلا أنه جعل مكان سلمان أبا ذر.

وفي إسناده محمد بن مصبح البزار: نا أبي.

قال الذهبي: «لا أعرفهما».

وشيخ أبيه قيس وهو ابن الربيع: ضعيف.

 ومن حديث علي مرفوعا به، إلا أنه جعل مكان عمار أبا ذر.

وفيه نهشل بن سعيد.

قال الحافظ «متروك، وكذبه إسحاق بن راهويه».

وأخرجه (7/204/2 ) من حديث حذيفة مرفوعا به، إلا أنه جعل مكان المقداد أبا ذر.

 وفيه إسماعيل بن يحيى بن طلحة، و هو أبو يحيى التيمي، وهو كذاب مجمع على تركه.

وبالجملة:

فالحديث ضعيف، لأن طرقه كلها واهية شديدة الضعف، ليس فيها ما يمكن أن يجبر به الضعف الذي في الطريق الأولى، مع الاختلاف في ذكر (أبي ذر). نعم له طريق أخرى عن أنس مرفوعا بلفظ (ثلاثة) دون ذكر المقداد وأبي ذر، وقد صححه الحاكم وغيره.

وهو عندي ضعيف الإسناد كما بينته في (تخريج المشكاة 6225-التحقيق الثاني)، لكنه حسن بمجموع الطريقين» انتهى.

قلت: واشتياق الجنة لثلاثة منهم علي بن أبي طالبي رضي الله عنه لا يجوز الأخذ به دون الأحاديث الأخرى الدالة على فضيلة باقي الصحابة بل وأفضلهم على الإطلاق وهو أبو بكر الذي بدأ التبشير النبوي به بدخول الجنة إذ قال e «أبو بكر في الجنة وعمر في الجنة...». بينما جاءت مرتبة بالتبشير في المرتبة الرابعة.

ولا يجوز تأخير من قدمه رسول الله e في الصلاة.

إذ قال «مروا أبا بكر فليصل بالناس». ولا يكون حينئذ أي تعارض. ولا يوجد من يستحق الجنة بينما هي لا تشتاق إليه.

فيكون أبو بكر أول من تشتاق لهم الجنة بعد الأنبياء. ويكون علي رابع من تشتاق لهم الجنة.

الرد على الشبهة:

أولًا: الحكم الحديثي على الرواية

جميع طرق الحديث واهية أو موضوعة، ولا يصح منها شيء مستقل يُحتج به.

أبرز علل الأسانيد:

سعد بن طريف الإسكاف

قال فيه ابن حبان: «كان يضع الحديث»

قال الحافظ: «متروك، وكان رافضيًا»

النضر بن حميد الكندي

قال الهيثمي: «متروك»

نهشل بن سعيد

قال الحافظ: «متروك، كذبه إسحاق بن راهويه»

إسماعيل بن يحيى التيمي

كذاب مجمع على تركه

ولهذا قال الألباني:

«الحديث ضعيف، لأن طرقه كلها واهية شديدة الضعف، لا ينجبر بها»

ثانيًا: اضطراب المتن دليل الوضع

من علامات الحديث الموضوع:

اختلاف العدد: ثلاثة – أربعة.

اختلاف الأسماء: مرة سلمان، مرة أبو ذر، مرة المقداد.

اختلاف الصحابي الراوي.

وهذا الاضطراب الشديد دليل قاطع على عدم ثبوت الحديث.

ثالثًا: لماذا تُروَّج هذه الرواية عند الرافضة؟

لأنها:

تُفرد عليًّا رضي الله عنه بفضل موهوم.

تُسقط ذكر أبي بكر وعمر.

توافق الهوى العقدي الرافضي.

ولهذا قال أهل العلم:

«الرافضة أكثر الطوائف وضعًا للحديث»

رابعًا: لا تعارض بين فضائل الصحابة عند أهل السنة

حتى على فرض صحة معنى الاشتياق – وهو غير ثابت – فلا يجوز:

تقديم من أخّره النبي ﷺ.

ولا تأخير من قدّمه رسول الله ﷺ.

وقد ثبت بالتواتر:

«أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة».

تقديم أبي بكر في الصلاة.

إجماع الصحابة على أفضليته.

ولا يُعقل أن تكون الجنة لا تشتاق لمن هو أفضل أهلها بعد الأنبياء.

خامسًا: المنهج السني في الفضائل

أهل السنة:

يثبتون فضائل علي رضي الله عنه.

دون الغلو فيه.

ودون الطعن في أبي بكر وعمر.

ويجعلون الفضائل تكاملًا لا تصادمًا.