شبهة إعجاب النبي ﷺ بالمرأة: بيانٌ علميٌّ وردٌّ على افتراءات الرافضة

من الشبهات التي تثيرها الفرقةُ الرافضية للطعن في السنة النبوية زعمُهم أن حديث رؤية النبي ﷺ لامرأةٍ فأعجبته ينتقص من مقام النبوّة، ويصوّر الرسول ﷺ – زورًا وبهتانًا – وكأنه تحرّكه الشهوة كما يتحرّك عامة الناس بغير ضابط. وهذه الشبهة مبنية على جهلٍ بحقيقة العصمة، وسوء فهمٍ للنصوص، وتجاهلٍ متعمَّدٍ لشروح أئمة الإسلام من أهل الحديث والفقه.

فالحديث الصحيح الوارد في صحيح مسلم لا يثبت معصية، ولا يقرّ محرّمًا، بل يقرّر أصلًا تربويًا عظيمًا في تهذيب الغريزة، وضبط الشهوة بالحلال، وقطع الطريق على وساوس الشيطان. والنظرة التي تقع بغير قصد لا إثم فيها شرعًا، وقد وقع ذلك من النبي ﷺ على وجه البشرية لا على وجه الشهوة المحرّمة، ثم بادر إلى ما أذن الله به، فكان فعله تشريعًا عمليًا وتعليمًا للأمة، كما نصّ على ذلك الإمام النووي وغيره من أئمة الشرح.

ويزداد بطلان هذه الشبهة وضوحًا حين نرى أن كتب الإمامية أنفسهم تروي المعنى ذاته، بل بألفاظٍ قريبة، ويصحّحها علماؤهم، ثم لا يرون فيها غضاضة، مما يكشف التناقض الصارخ في منهجهم، وأن اعتراضهم ليس دفاعًا عن مقام النبوّة، بل طعنٌ انتقائيٌّ في السنّة وأهلها.

قال الإمام مسلم:

 " 9 - (1403) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أبي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، أن رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى أمرأَةً، فَأَتَى أمرأَتَهُ زَيْنَبَ، وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إلى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإذا أَبْصَرَ أحدكُمُ أمرأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نَفْسِهِ»"

صحيح مسلم - بَابُ نَدْبِ مَنْ رَأَى أمرأَةً فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِهِ، إلى أن يَأْتِيَ أمرأَتَهُ أَوْ جَارِيَتَهُ فَيُوَاقِعَهَا - ج 2 ص 1021

قال الإمام النووي:

 " قَوْلُهُ (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم رأى أمرأَةً فَأَتَى أمرأَتَهُ زَيْنَبَ وَهِيَ تَمْعَسُ مَنِيئَةً لَهَا فَقَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أن الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ) إلى آخِرِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بَيَانًا لَهُمْ وَإِرْشَادًا لِمَا يَنْبَغِي لَهُمْ أن يَفْعَلُوهُ فَعَلَّمَهُمْ بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ "

شرح صحيح مسلم - أبو زكريا يحيى بن شرف النووي – ج 9 ص 178 – 179

قال الإمام ابن الجوزي:

" قَالَ ابْن قُتَيْبَة: تمعس: تدبغ، وأصل المعس الدَّلْك. والمنيئة: الْجلد مَا كان فِي الدّباغ. "

كشف المشكل من حديث الصحيحين – أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي – ج 3 ص 103

وفي هذا لا توجد اي مخالفة شرعية، وذلك لان النظرة إذا وقعت من غير قصد فلا اثم فيها، والنبي صلى الله عليه واله وسلم رجل كباقي الرجال، وحاشاه من ارتكاب المحرم فداه أبي وامي، فإذا نظر إلى أمراة من غير قصد وتحركت نفسه لقضاء الشهوة، فقضى شهوته مع زوجته، فان هذا مما جعل الله فيه الاجر كما ثبت في الحديث النبوي عند الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: " وَفِي بُضْعِ أحدكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أحدنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكان عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إذا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كان لَهُ أَجْرٌ» "

صحيح مسلم - بَابُ بَيَانِ أن اسْمَ الصَّدَقَةِ يَقَعُ عَلَى كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَعْرُوفِ – ج 2 ص 697

وقال العلامة المناوي:

" قال ابن العربي هذا حديث غريب المعنى لأن ما جرى للمصطفى صلى الله عليه وسلم كان سرا لم يعلمه إلا الله تعالى فإذاعه عن نفسه تسلية للخلق وتعليما وقد كان آدميا وذا شهوة لكنه كان معصوما عن الزلة وما جرى في خاطره حين رأى المرأة أمر لا يؤاخذ به شرعا ولا ينقص منزلته وذلك الذي وجد نفسه من الإعجاب بالمرأة هي جبلة الآدمية ثم غلبها بالعصمة فانطفأت وقضى من الزوجة حق الإعجاب والشهوة الآدمية بالاعتصام والعفة "

فيض القدير – محمد عبد الرؤوف المناوي – ج 2 ص 493

وقد ورد في كتب الإمامية عين الرواية التي يستشكل بها الرافضة على أهل السنة.

 قال محمد تقي المجلسي:

" روى الكليني في القوي كالصحيح، عن حماد بن عثمان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرأة فأعجبته فدخل إلى أم سلمة وكان يومها فأصاب منها وخرج إلى الناس ورأسه يقطر فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله- وظاهر أن المراد نظرهم لا نظره عليه السلام. "

روضة المتقين – محمد تقي المجلسي - ج 9 ص 436

وقال البحراني:

" وروى في الكافي عن حماد بن عثمان " قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله أمرأة فأعجبته فدخل على أم سلمة وكان يومها، فأصاب منها وخرج إلى الناس ورأسه يقطر، فقال: أيها الناس إنما النظر من الشيطان، فمن وجد من ذلك شيئا فليأت أهله ".

 أقول: في هذا الأخبار دلالة ظاهرة على ما تقدم من جواز كشف الوجه واليدين من المرأة الأجنبية، وعدم وجوب سترها، وإلا فلو كان النساء يومئذ مسترات مخمرات غير مسفرات لم يعلم حال الجميلة من القبيحة حتى يترتب عليه ما ذكر في هذه الأخبار، قوله صلى الله عليه وآله وسلم " إنما النظر من الشيطان " يعني حب النظر ومعاودته بعد حصول النطرة الأولى التي وقعت اتفاقا إذا ترتب عليها اللذة والفتنة.

 وأما قوله عليه السلام "فأعجبته" فإنه لا منافاة فيه لمقتضى مقامه صلى الله عليه وآله فإن استحسان الحسن واستقباح القبيح، والرغبة في الأول والنظرة من الثاني أمر جبلي وخلق بشري كما لا يخفي "

الحدائق الناضرة - البحراني - ج 23 ص 152

 

النبذة

يعالج هذا المقال شبهةَ إعجاب النبي ﷺ بالمرأة من خلال النصوص الصحيحة الواردة في صحيح مسلم وشروح أئمة أهل السنة، مع بيان أن ما وقع هو من قبيل الجِبِلّة البشرية التي لا مؤاخذة فيها، وأن النبي ﷺ بادر إلى الحلال تعليمًا للأمة وإغلاقًا لباب الفتنة. كما يبرز المقال تناقض الفرقة الرافضية، بإيراد رواياتٍ معتمدة من كتبهم تقرّر المعنى نفسه وتصحّحه، مما يؤكد أن الشبهة مثارة بدافع الهوى والموقف العقدي، لا بدافع الغيرة على مقام الرسالة.

الكلمات المفتاحية (سطر واحد)

شبهة اعجاب النبي بالمرأة اعجاب النبي ﷺ بامرأة حديث رأى امرأة فاعجبته صحيح مسلم رد على الرافضة طعن الشيعة في السنة تفسير حديث رأى امرأة النووي شرح مسلم شهوة النبي والرد عليها عصمة النبي ﷺ النظر من الشيطان معنى الحديث النبي بشر معصوم شبهة الرافضه عن النبي رأى امراه فاعجبته حديث اعجاب الرسول ام سلمة زينب تمعس منيئة شبهة الشهوة عند النبي رد شبهات الشيعة سيرة النبي الصحيحة اعجاب الرسول بالمراة اعجبته امراة حديث مسلم تفسير