عقيدة الباطن والظاهر: كيف عطّلت الإمامية دلالة القرآن؟
أنزل الله القرآن الكريم هدايةً وبيانًا ونورًا للناس كافة، وجعله كتابًا مُحكَمًا تقوم به الحجة، وتستبين به السبل، وتُعرَف به معاني الإيمان والعمل. وقد قرر القرآن نفسه أن آياته بيِّنات، وإنه أُنزل للتدبر والفهم والعمل، دون أن يعلّق إدراك معانيه على طبقةٍ مخصوصة أو أشخاصٍ معصومين بعد رسول الله ﷺ. غير أن الفرقة الإمامية الاثني عشرية خالفت هذا الأصل، وابتدعت تصورًا باطنيًا خطيرًا، مفاده أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، وأن هذا البطن لا يعلمه إلا الأئمة، وأن عقول الناس قاصرة عن تفسير كلام الله دون الرجوع إليهم.
ومن خلال هذه العقيدة، قررت الإمامية أن ظواهر القرآن غير كافية، وأن الآية الوأحدة قد يُفسَّر أولها بشيء وآخرها بشيء آخر لا رابط بينهما، وأن النص القرآني يتصرف على وجوه متعددة لا تُدرَك إلا عبر الإمام. وبذلك انتقل القرآن عندهم من كونه كتاب هدايةٍ وبيانٍ عام، إلى نصٍّ مغلق لا يُفهَم إلا بتعليم خاص، وأداةٍ لتكريس الإمامة والوصاية، لا مصدرًا مستقلًا للاحتجاج.
ويهدف هذا المقال إلى عرض شبهة “القرآن له بطن وظهر” كما قررتها نصوص الإمامية أنفسهم، ثم بيان حقيقتها ونقضها نقضًا علميًّا، وبيان تعارضها الصريح مع منهج القرآن، ومع وظيفة البيان النبوي، ومع مقاصد الوحي، مع الكشف عن آثارها العقدية الخطيرة في فتح باب التأويل الباطني وتعطيل دلالة النص.
48 - شى: عن جابر قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء في تفسير القرآن فأجابني ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم؟ فقال لي: يا جابر أن للقرآن بطنا، وللبطن بطن وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن أن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متصل يتصرف على وجوه. بحار الأنوار للمجلسي الجزء 89 ص95 (باب) " (أن للقرآن ظهرا وبطنا، وأن علم كل شيء في القرآن)" (وأن علم ذلك كله عند الأئمة عليهم السلام، ولا يعلمه) " (غيرهم إلا بتعليمهم)
41 - وعن أبيه، عن علي بن الحكم، عن محمد بن الفضيل، عن بشر الوابشي، عن جابر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن شيء من التفسير فأجابني ثم سألته عنه ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت: كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا، فقال: يا جابر أن للقرآن بطنا وله ظهر، وللظهر ظهر، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، وإن الآية يكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل متصرف على وجوه.
وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 18 ص142 باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم السلام
49 - وعن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس عن ابن أذينة، عن فضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الرواية: ما من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن، قال: ظهره وبطنه تأويله، ومنه ما قد مضى ومنه ما لم يكن، يجري كما تجري الشمس والقمر كلما جاء تأويل شيء يكون على الأموات كما يكون على الأحياء، قال الله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ نحن نعلمه.
وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 18 ص145 باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم السلام.
1 - روى جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه واله وسلم: أيها الناس إنكم في زمان هدنة وانتم على ظهر السفر، والسير بكم سريع، فقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فأعدوا الجهاز لبعد المفاز، فقام المقداد فقال: يا رسول الله ما دار الهدنة؟ قال: دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنه شافع مشفع، وما حل مصدق، من جعله إمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو [ كتاب فيه ] تفصيل وبيان وتحصيل وهو الفصل، ليس بالهزل، له ظهر وبطن، فظاهره حكمه وباطنه علم، ظاهره أنيق وباطنه عميق، له تخوم وعلى تخومه تخوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنازل الحكمة ودليل على المعروف لمن عرفه.
تفسير العياشي الجزء الأول ص2 - 3
8 - عن جابر قال: سئلت أبا جعفر عليه السلام عن شيء في تفسير القرآن فأجابني، ثم سألته ثانية فأجابني بجواب آخر فقلت: جعلت فداك كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم فقال عليه السلام لي: يا جابر أن للقرآن بطنا، وللبطن ظهرا، يا جابر وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، أن الآية لتكون أولها في شيء وآخرها في شيء وهو كلام متصل يتصرف على وجوه.
تفسير العياشي الجزء الأول ص12
أولًا: نص الشبهة كما تقررها كتب الإمامية
تقرر كتب الإمامية أن للقرآن طبقات من المعاني، وأن ظاهره لا يدل على مراد الله إلا بوجود بطن خفي لا يعلمه إلا الأئمة. ومن أشهر رواياتهم في ذلك ما نُقل عن جابر بن يزيد إنه سأل أبا جعفر عن آية فأجابه، ثم سأله عنها مرة أخرى فأجابه بغير الجواب الأول، فلما استغرب ذلك قال له:
«يا جابر أن للقرآن بطنا، وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر، وليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن…»
(بحار الأنوار ج89 ص95، وسائل الشيعة ج18 ص142)
كما يصرّحون بأن تأويل القرآن، وباطنه، وعلم معانيه الحقيقية، مختص بالأئمة وحدهم:
«ما من القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن… ونحن نعلمه»
(وسائل الشيعة ج18 ص145)
ويجعلون هذا الأصل سببًا لمنع استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد الرجوع إلى الأئمة، كما هو صريح أبواب وسائل الشيعة، بل يقررون أن اختلاف الأجوبة في تفسير الآية أمر طبيعي؛ لأن النص عندهم يتصرف على وجوه لا يضبطها فهمٌ لغوي ولا سياق قرآني.
ومن مجموع هذه النصوص يتضح أن الإمامية ينزعون عن ظاهر القرآن حجّيته، ويجعلون المعنى الحقيقي في بطنٍ غيبيٍّ لا يُدرَك إلا عبر الإمام.
ثانيًا: الرد على الشبهة ونقضها
القرآن نزل بيانًا لا لغزًا باطنيًا:
نصوص القرآن قطعية في تقرير وضوحه وبيانه:
﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾
﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾
فلو كان للقرآن بطن خفي لا يُدرَك، لما كان ميسّرًا، ولا مُحكمًا، ولا بيانًا للناس.
التفريق بين “الظاهر” و“الباطن” فتحٌ لباب التحريف
القول بأن لكل آية معنى ظاهرًا غير مراد، وباطنًا هو المراد الحقيقي، يفتح الباب لتحميل النص ما لا يحتمل، ويُسقِط الضوابط اللغوية والسياقية، ويجعل كل معنى باطني مقبولًا ما دام منسوبًا للإمام، وهذا عين منهج الباطنية وأهل التأويل الفاسد.
اختلاف الأجوبة طعن في ثبات المعنى
جعل اختلاف التفسير للآية الوأحدة دليلًا على عمقها، لا على خطأ القائل، طعنٌ في كون القرآن هدى وميزانًا. فالآية التي يُجاب عنها اليوم بشيء، وغدًا بضده، لا تصلح أن تكون حجةً ولا مرجعًا.
قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ حجة عليهم:
استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ باطل؛ لأن الراسخين في العلم هم أهل الفهم الصحيح من الصحابة والعلماء، لا أئمة معصومون يحتكرون المعنى ويمنعون الأمة من فهم كتاب ربها.
الأثر العقدي الخطير لعقيدة الباطن:
هذه العقيدة تؤدي إلى:
◘ تعطيل دلالة ظاهر القرآن
◘ إسقاط الاحتجاج بالنص
◘ تبرير التأويل الباطني
◘ ربط الهداية بالأشخاص لا بالوحي
وهي أصول تُخرج القرآن عن وظيفته التي أنزله الله من أجلها.