يُقِرّ القرآن الكريم في عشرات المواضع بإنه كتاب الهداية والبيان والحجة على الناس كافة، أنزله الله ليُتدبَّر ويُعمل به، وجعل سنّة نبيه ﷺ بيانًا له، دون أن يربط فهمه أو الاحتجاج به بشخصٍ بعينه بعد رسول الله. غير أن الفرقة الإمامية الاثني عشرية خالفت هذا الأصل القطعي، وابتدعت دعوى خطيرة مفادها أن القرآن لا يكون حُجّة بذاته، وإنه لا يصلح للاحتجاج إلا بوجود «قَيِّم» عليه، زاعمين أن هذا القيّم هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم الأئمة من بعده.

وتستند هذه الدعوى إلى روايات يروونها عن أئمتهم، يقررون فيها أن القرآن قد يُخاصِم به كلُّ صاحب هوى، وإنه لا يُعرف الحق منه إلا عبر الإمام المعصوم، وبذلك جعلوا النص الإلهي تابعًا لعقيدة الإمامة، لا حاكمًا عليها، وحوّلوا الوحي الخاتم إلى مادةٍ قابلة للتعطيل متى خالف مروياتهم.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الشبهة كما وردت بنصّها في كتب الإمامية المعتمدة، ثم ردّها ردًّا علميًّا أصوليًّا، يُبيّن تناقضها مع القرآن نفسه، ومع وظيفة النبي ﷺ في البلاغ، ومع ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مع كشف الآثار العقدية الخطيرة المترتبة عليها في هدم حجية القرآن وإغلاق باب الاستدلال به.

1- محمد بن يعقوب، عن محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شإذان، عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أن الله أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه - إلى أن قال: وقلت للناس: أليس تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى، قلت فحين مضى رسول الله صلى الله عليه وآله من كان الحجة لله على خلقه؟ قالوا: القرآن، فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، فما قال فيه من شيء كان حقا - إلى أن قال: فأشهد أن عليا عليه السلام كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة وكان الحجة على الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن ما قال في القرآن فهو حق، فقال: رحمك الله.

 وسائل الشيعة للحر العاملي الجزء 18 ص129 - 130 باب عدم جواز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر القرآن إلا بعد معرفة تفسيرها من الأئمة عليهم السلام

1 - أبى رحمه الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد عن صفوان بن يحيى، عن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله " ع " إني ناظرت قوما فقلت ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله هو الحجة من الله على الخلق فحين ذهب رسول الله من كان الحجة من بعده فقالوا القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم فيه المرجئ، والحروري والزنديق الذي لا يؤمن حتى يغلب الرجل خصمه فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم...

 علل الشرائع للصدوق الجزء الأول ص192(باب 152 - علة إثبات الأئمة صلوات الله عليهم)

أولًا: نص الشبهة كما تقرره كتب الإمامية:

تقرر الإمامية في أبواب أصولية عندهم أن القرآن لا يكون حجة مستقلة بعد النبي ﷺ، وإنه لا يُحتج بظواهره، ولا يُعرف مراد الله منه، إلا بعد الرجوع إلى الأئمة. ومن أوضح نصوصهم في ذلك ما جاء في رواية منصور بن حازم، حيث يقول – بحسب نقلهم – إنه ناظر قومًا فقال لهم: أليس رسول الله ﷺ هو الحجة من الله على خلقه؟ قالوا: بلى. قال: فلما مضى رسول الله من كان الحجة؟ قالوا: القرآن. ثم قال: فنظرت في القرآن فإذا هو يُخاصِم به المرجئ والقدري والزنديق، حتى يغلب الرجل بخصومته، فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقَيِّم، فأشهد أن عليًّا كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله.

وقد ورد هذا المعنى في كتبهم المعتمدة، منها:

وسائل الشيعة للحر العاملي (ج18 ص129–130) في باب عدم جواز استنباط الأحكام من ظواهر القرآن إلا بعد تفسير الأئمة.

علل الشرائع للصدوق (ج1 ص192) في باب علة إثبات الأئمة.

ومن مجموع هذه النصوص يظهر بوضوح أن الإمامية ينفون استقلال القرآن بالحجية، ويجعلون الإمام هو المرجع الحاكم على النص، لا العكس.

ثانيًا: الرد على الشبهة ونقضها

القرآن حُجّة بذاته بنصوص قطعية:

القرآن الكريم يقرر بوضوح لا يحتمل التأويل أن كتاب الله بيانٌ للناس كافة، وإنه كافٍ في الهداية والاحتجاج:

﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ

﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ

فلو كان القرآن لا يكون حجة إلا بإمام مخصوص، لما صحّ وصفه بالبيان، ولا كان للتدبر معنى، ولا لقيام الحجة على الخلق وجه.

الاحتجاج بالقرآن لا يُبطله سوء استعمال أهل الأهواء:

قولهم أن المرجئ والزنديق يحتج بالقرآن لا يدل على نقص في القرآن، بل على فساد فهم المحتجّ. فالسيف قد يُستعمل في الحق أو الباطل، ولا يقدح ذلك في كونه سيفًا. وكذلك القرآن: من احتج به على غير مراد الله قامت عليه الحجة، لا له.

النبي ﷺ لم يعيّن قيّمًا على القرآن:

لم يثبت عن النبي ﷺ إنه قال أن القرآن لا يُحتج به بعده إلا بعلي، ولا إنه عيّن إماما يكون المرجع الوحيد في فهم الوحي. بل بلّغ الرسالة، وأكمل الدين، وترك الأمة على الواضح، وأمرها بالرجوع إلى الكتاب والسنة، لا إلى أئمة معصومين مزعومين.

مخالفة هذه الدعوى لسيرة علي نفسه:

علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يدّعِ لنفسه إنه المرجع الوحيد لفهم القرآن، ولم يقل أن الناس لا تقوم عليهم الحجة إلا به، بل كان يحتج بالقرآن كسائر الصحابة، ويقبل الاختلاف والاجتهاد، ولم يجعل طاعته شرطًا لصحة الإيمان ولا لفهم الوحي.

الأثر العقدي الخطير لهذه الشبهة:

هذه الدعوى تؤدي إلى:

تعطيل الاحتجاج بالقرآن متى خالف مرويات الإمامية

تقديم الرواية على النص

تحويل الإمامة إلى أصل أعلى من الوحي

إسقاط عموم الهداية القرآنية

وكل ذلك انحراف بيّن عن الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ