يُعَدُّ القرآن الكريم عند أهل الإسلام الكتابَ الإلهيَّ الخاتم، والحُجَّةَ الباقيةَ إلى قيام الساعة، أنزله الله بلسانٍ عربيٍّ مبين، وجعل بيإنه وشرحه في سنّة نبيّه ﷺ، ثم في فهم الصحابة والتابعين، دون أن يجعل لأحد من البشر – كائنًا من كان – سلطةً احتكارية على معانيه أو حجّيته.

غير أن الفرقة الإمامية الاثني عشرية انحرفت عن هذا الأصل العظيم، وابتدعت دعوى خطيرة مفادها أن القرآن لا يكون حُجّةً إلا بقيِّمٍ، وأن هذا القيّم – بزعمهم – هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن بعده أئمتهم المعصومون الموهومون، حتى صار القرآن عندهم نصًّا صامتًا لا يُفهَم ولا يُحتج به إلا عبر أشخاص مخصوصين.

وانطلاقًا من هذه الدعوى، نسجت الإمامية روايات تنسب إلى عليٍّ إنه (القرآن الناطق)، وإنه (تفسير كتاب الله)، وأن القرآن لا ينطق بنفسه ولا يدلّ إلا من خلاله، وهي مقولات تهدم أصل الاحتجاج بالقرآن، وتفتح الباب لتعطيل النص، وتحكيم الرجال، وتحويل الوحي الإلهي إلى تابعٍ لعقيدة الإمامة.

ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الشبهة كما وردت في مصادر الإمامية، ثم تفكيكها وردّها ردًّا علميًّا موثّقًا، وبيان مخالفتها الصريحة للقرآن نفسه، ولسنّة النبي ﷺ، ولسيرة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، مع الكشف عن خطورتها العقدية وآثارها الهدّامة على مفهوم الوحي والهداية.

أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم:

وأن علياً كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله" (أصول الكافي: 1/188) وعلل الشرائع (علل الشرائع: ص 192)، والمحاسن (المحاسن: ص 268)، ووسائل الشيعة (الحر العاملي/ وسائل الشيعة: 18/141)، وغيرها.

ويروون عن علي إنه قال:

 "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق" (الفصول المهمة: ص 235) .

وقال: "ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه ... " (أصول الكافي: 1/61) .

ويقولون - في رواياتهم -: "وعليٌّ تفسير كتاب الله" (البحار: 37/209، الطبرسي/ الاحتجاج: ص 31-33، البروجودي/ تفسير الصراط المستقيم: 30/20).

أولًا: نص الشبهة كما تقررها كتب الإمامية

تزعم الإمامية في كتبهم المعتمدة أن القرآن لا يكون حُجّةً بذاته، بل لا بد له من (قيّم) يقوم عليه، ويجعلونه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن بعده الأئمة.
ومن ذلك ما جاء في رواياتهم:

«إن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم، وإن عليًا كان قيم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله»

(أصول الكافي 1/188، علل الشرائع ص 192، المحاسن ص 268، وسائل الشيعة 18/141)

ويروون عن عليٍّ رضي الله عنه إنه قال – بزعمهم:

«هذا كتاب الله الصامت، وأنا كتاب الله الناطق»

(الفصول المهمة ص 235)

كما ينقلون عنه قوله:

«ذلك القرآن فاستنطقوه، فلن ينطق لكم، أخبركم عنه»

(أصول الكافي 1/61)

ويقررون في روايات أخرى:

«وعلي تفسير كتاب الله» (بحار الأنوار 37/209، الاحتجاج للطبرسي ص 31–33، تفسير الصراط المستقيم 30/20)

ومن مجموع هذه الروايات يتبيّن أن الإمامية تجعل فهم القرآن وحجّيته وتفسيره متوقفًا على شخص عليٍّ والأئمة من بعده، لا على دلالة النص نفسه ولا على البيان النبوي العام.

ثانيًا: الرد على الشبهة ونقضها

القرآن حجة بذاته بنص القرآن نفسه:

القرآن الكريم يقرر بوضوح إنه بيان وهدى ونور للناس كافة، دون قيدٍ بشخص أو إمام:

﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ

فلو كان القرآن لا يُفهَم ولا يُحتج به إلا عبر (قيّم) مخصوص، لما صحّ توجيه الخطاب إلى الناس كافة، ولا كان للتدبر معنى.

النبي ﷺ لم يجعل بعده قيّمًا على القرآن:

لم يثبت في سنّة النبي ﷺ – لا صحيحًا ولا ضعيفًا – إنه قال أن القرآن لا يُحتج به إلا بعلي، أو أن عليًّا هو (القرآن الناطق)، أو إنه المرجع الوحيد لفهمه.
بل الثابت أن النبي ﷺ بلّغ القرآن وبيّن معانيه للأمة، وتركها على المحجة البيضاء، وأمر بالرجوع إلى الكتاب والسنّة، لا إلى أشخاص معصومين.

هذه الدعوى تخالف أقوال علي نفسه:

الثابت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مصادر أهل السنة إنه كان يقول:

«إنما القرآن خطٌّ مستور بين الدفتين، لا ينطق، وإنما يتكلم به الرجال»

وهذا الكلام – على فرض صحته – لا يدل على احتكار التفسير، بل على أن فهم القرآن يكون بالاجتهاد والبيان العلمي، لا بادعاء العصمة أو الوصاية المطلقة.

تحويل القرآن إلى تابع للإمامة لا العكس:

دعوى (القرآن الصامت والإمام الناطق) تقلب ميزان الوحي، وتجعل القرآن تابعًا لعقيدة الإمامة، لا حاكمًا عليها، وبذلك يُعطَّل النص متى خالف الرواية، ويُحرَّف المعنى بحجة (التفسير المعصوم)، وهو أصل الانحراف الإمامي في العقيدة والفقه.