رايات ما قبل القائم: قراءة نقدية في الموقف الإمامي من الجهاد والسلطة

تعدّ مسألة الرايات المرفوعة قبل خروج المهدي من أكثر القضايا حساسية في الفكر الإمامي الاثني عشري، لما يترتب عليها من أحكام خطيرة تمسّ مفهوم الجهاد، والسلطة، والشرعية السياسية والدينية. وقد أسّست الروايات الواردة في كتبهم المعتمدة – وعلى رأسها الكافي والغيبة للنعماني – لرؤية عقدية تعتبر أن كل حركةٍ تُرفع قبل قيام القائم تُوصَف بالطاغوتية، حتى وإن رفعت شعار الحق أو انتسبت ظاهريًا إلى الإسلام.

وتكشف هذه الروايات، كما شرحها كبار علمائهم كالمجلسي والمازندراني، عن إشكالٍ عميقٍ في بنية الفكر الإمامي، حيث يتم تعطيل فريضة الجهاد، وتجريم الخروج على الظلم، واتهام كل رايةٍ قبل المهدي بأنها معبودة من دون الله. وهو ما يفضي عمليًا إلى تكريس السلبية الدينية، وتحريم مقاومة الطغيان، وربط الحق والباطل بشخصٍ غائب لم يولد – بحسب منظور أهل السنة – ولم يقم عليه دليل صحيح.

ويهدف هذا المقال إلى عرض النصوص الإمامية نفسها، وبيان لوازمها العقدية والفقهية، مع قراءة نقدية تُظهر التناقض بين هذه الروايات وبين أصول الإسلام المتفق عليها، لا سيما في باب الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض الاستبداد. كما يتناول المقال موقف فقهاء الإمامية من الجهاد في عصر الغيبة، وتطبيقات ذلك تاريخيًا، مع إضاءة على نماذج خالفت هذا النهج داخل البيت العلوي نفسه.

قال الكليني:

 "عَنْهُ عَنْ أحمد بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ أبي بَصِيرٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ كُلُّ رَايَةٍ تُرْفَعُ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ فَصَاحِبُهَا طَاغُوتٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ " اهـ

الكافي - للكليني – ج 8 ص295، وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق – ج 26 ص 325

قال المازندراني في شرح هذه الرواية:

 " الأصل: 452 - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كل راية ترفع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يعبد من دون الله عز وجل.

الشرح: (كل راية ترفع قبل قيام القائم) (عليه السلام) وإن كان رافعها يدعو إلى الحق (فصاحبها طاغوت يعبدون من دون الله) الطاغوت: الشيطان والأصنام وكل ما يعبد من دون الله ويطلق على الوأحد والجمع ويعبدون بالضم وصف له " اهـ

شرح أصول الكافي - المازندراني – ج 12 ص 410 – 411

ولقد جاءت رواية تبين أن راية رسول الله لا يرفعها إلا مهدي الرافضة، قال النعماني: 1- حدثنا محمد بن همام، قال: حدثنا أحمد بن مابنداذ، قال: حدثنا أحمد بن هلال، عن محمد بن أبي عمير، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، قال: " قال أبو عبد الله (عليه السلام): لما التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله (صلى الله عليه وآله) فزلزلت أقدامهم، فما اصفرت الشمس حتى قالوا: أمنا يا بن أبي طالب، فعند ذلك قال: لا تقتلوا الأسرى، ولا تجهزوا على الجرحى، ولا تتبعوا موليا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية فأبى عليهم فتحملوا عليه بالحسن والحسين (عليهما السلام) وعمار بن ياسر (رضي الله عنه)، فقال للحسن: يا بني، أن للقوم مدة يبلغونها، وإن هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم صلوات الله عليه " اهـ

الغيبة -النعماني- ص 320 باب ما جاء في ذكر راية رسول الله صلى الله عليه وآله وإنه لا ينشرها بعد يوم الجمل إلا القائم عليه السلام

قال الخميني عن الجهاد عند الرافضة في عصر الغيبة:

"في عصر غيبة ولي الأمر وسلطان العصر – عجل الله فرجه – الشريف يقوم نوابه العامة وهم الفقهاء الجامعون لشرائط الفتوى والقضاء مقامه في إجراء السياسات وسائر ما للإمام إلا البدأة بالجهاد " اهـ

تحرير الوسيلة – الخميني - ج 1 ص 482

 

وقال الشهيد الثاني:

" قوله: " أو من نصبه للجهاد ". يتحقق ذلك بنصبه له بخصوصه، أو بتعميم ولايته على وجه يدخل فيه الجهاد، فالفقيه في حال الغيبة وإن كان منصوبا للمصالح العامة لا يجوز له مباشرة أمر الجهاد بالمعنى الأول " اهـ

مسالك الأفهام - الشهيد الثاني - ج 3 - شرح ص 9

قال الطبرسي عن محمد بن جعفر الصادق:

" وأما محمد بن جعفر: فكان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف، وكان سخيا شجاعا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يذبح كل يوم كبشا للضيافة، وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة، فخرج لقتاله عيسى الجلودي فهزم أصحابه وأخذه وأنفذه إلى المأمون، فوصله وأكرمه، وكان مقيما معه بخراسان يركب إليه في موكب بني عمه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمل السلطان من رعيته " اهـ

إعلام الورى بأعلام الهدى - الطبرسي - ج 1 ص 547