محمد صادق الصدر يقول هناك خالق للكون غير الله

يُعَدّ باب التوحيد أساسَ العقيدة الإسلامية، وأخطرَ أبواب الانحراف حين يُمسّ أو يُؤوَّل بما يفضي إلى إشراك المخلوق في خصائص الخالق. وقد ابتُلي الفكر الإمامي الاثنا عشري، عبر تاريخه، بنصوصٍ وتصريحاتٍ تُنسب إلى علمائه ومراجعهم، تتجاوز حدّ الفضائل إلى الغلوّ الصريح الذي يرفع الأئمة إلى مراتب الوجود الأولى، ويجعل لهم دورًا كونيًا يتعارض مع أصل التوحيد.

ومن أخطر هذه التصريحات ما قرّره محمد صادق الصدر في كتابه منة الرحمن، حيث بنى تصورًا فلسفيًا كاملًا يجعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه جامعَ علوم الكون، وأعلى مراتب الوجود، بل حلقةَ الصدور الأولى التي تصدر عنها الكثرة، وفق قاعدة “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”. ويترتب على هذا التصور – بنص كلامه – أن يكون هناك مخلوق أول يخلق غيره، وهو معنى لا يختلف في حقيقته عن القول بوجود خالقٍ للكون غير الله، وإن غُلّف بألفاظ فلسفية وتأويلات باطنية.

ويهدف هذا المقال إلى عرض كلام الصدر بنصه، ثم بيان لوازمه العقدية الخطيرة، مع استخراج الإلزامات الواضحة التي تلزم الإمامية من داخل كتب معمّميهم، وبيان تعارض هذه الأقوال مع التوحيد الذي جاءت به الرسل، ومع إجماع المسلمين.

قال محمد صادق الصدر:

 "والشاهد على عظمة البسملة، ما ورد عن أمير المؤمنين: أن علوم الكون كلها في القرآن وعلوم القرآن في السبع المثاني، وعلوم السبع المثاني في البسملة، وعلوم البسملة في الباء، وعلوم الباء في النقطة وأنا تلك النقطة.

وحسب فهمي فان المراد: أن علوم القرآن في الفاتحة مع زيادة في الفاتحة، وعلوم الفاتحة في البسملة مع زيادة في البسملة، وعلوم البسملة في الباء مع زيادة في الباء، وعلوم الباء في النقطة مع زيادة في النقطة.

وأما ما هي تلك الزيادة فذلك ما لا يعلمه إلا علاّم الغيوب؛ لأنها فوق إدراك عقولنا القاصرة وربما يكون علمها عند قائلها سلام الله عليه.

فعلوم الكون بجميع مراتبه عند أمير المؤمنين وعلومه أكثر من علوم البسملة وعلوم البسملة أكثر من علوم الفاتحة وعلوم الفاتحة أكثر من علوم الكتاب الكريم الذي لم يفرط بشيء.

وهذه الروايَّة تدلنا على مزايا أمير المؤمنين وهي:

أولا: أن روحه وحقيقته العليا بسيطة حيث يقول: وأنا النقطة وإنَّ النقطة بسيطة هندسيا من حيث إنها ليست جسماً ولا سطحاً ولا خطاً، فهي بسيطة من جميع الجهات فهي مجرد فرض عقلي وليست مادة وهذه البساطة المشار إليها في الروايَّة بساطة فلسفية والنقطة ذات بساطة هندسية والبساطة الفلسفية مستقاة مجازا من البساطة الهندسية وإلاّ فإنَّ بساطة الروح لا تماثل بساطة النقطة إلا بعنوان البساطة.

ثانيا: إنه سلام الله عليه جامع لكل علوم الكون غير علم الله سبحانه وقد فاق علمه على الأولين والآخرين وجميع المعصومين سلام الله عليهم أجمعين عدا الرسول الأكرم 9 الذي هو مدينة العلم وعليُّ بابها.

ثالثا: إنه أعلى مراتب الوجود.

فقد قال الفلاسفة بقاعدة صدور الواحد عن الواحد فبالضرورة يخلق الله تعالى وأحدا في المرتبة الأولى التي تتنزل عن ذاته سبحانه ثم هذا المخلوق الواحد يخلق الكثرة أي يُوجِد المتعدد، فهو بسيط ولكنَّه بالتحليل يكون أمرين: محمد وعلي، لأنهما نفس وأحدة.

بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ فهو نفسه ولكنَّه غيره والكثرة عين الوحدة كما قيل في الحكمة المتعاليَّة " اهـ

منة الرحمن – محمد صادق الصدر – ج 1 ص 28 – 29

الإلزامات العقدية المستخرجة من كلام محمد صادق الصدر:

الإلزام الأول: إثبات خالقٍ غير الله

حين يقرر الصدر أن الله “يخلق واحدًا في المرتبة الأولى، ثم هذا الواحد يخلق الكثرة”، فقد أثبت فعل الخلق لغير الله، والله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ

فإما أن يكون هذا “الواحد” خالقًا حقيقة، فيقع الشرك الصريح، أو لا يكون خالقًا، فيبطل أصل القاعدة التي بنى عليها تصوره.

الإلزام الثاني: جعل علي أعلى مراتب الوجود

قول الصدر: «إنه أعلى مراتب الوجود» لا يُفهم منه إلا رفع علي رضي الله عنه إلى مرتبةٍ كونيةٍ فوق سائر المخلوقات، وهو وصف لا يليق إلا بالله سبحانه، أو يلزم منه نفي تفاضل الأنبياء والرسل، بل نفي خصوصية النبوة أصلًا.

الإلزام الثالث: ادعاء الإحاطة بعلوم الكون

قوله: «جامع لكل علوم الكون غير علم الله» يستلزم:

إما أن يكون علم علي محيطًا بكل ما سوى الله، وهو وصف لم يثبته الله لنبيٍّ مرسل.

أو أن يكون القرآن – الذي قال الله فيه ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ – ناقصًا لا يحتوي ما احتواه علي، وهو طعن في كمال القرآن.

الإلزام الرابع: تفضيل علي على جميع الأنبياء

إقراره بأن علم علي فاق “الأولين والآخرين وجميع المعصومين عدا الرسول” يستلزم تفضيله على:

نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام

وهو قول لم يقل به أحد من المسلمين، بل هو من خصائص الغلاة.

الإلزام الخامس: وحدة الوجود المقنّعة

قوله: «محمد وعلي نفس واحدة»، و«الكثرة عين الوحدة»، هو تقرير صريح لمقولات وحدة الوجود، التي قال بها الفلاسفة والباطنية، وكفّرها أئمة الإسلام لما فيها من خلط الخالق بالمخلوق.

الإلزام السادس: إبطال معنى العبودية

إذا كان علي هو “النقطة” التي انتهت إليها العلوم، والمصدر الذي صدرت عنه الكثرة، فأين معنى كونه عبدًا لله؟

وأين قوله رضي الله عنه: «أنا عبدٌ من عبيد محمد»؟

بل أين معنى العبودية أصلًا إذا نُسبت أفعال الخلق والتدبير للمخلوق؟