تتعدد الروايات عند الشيعة حول الصحابة الكرام، وخاصة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وبعضها يحمل مبالغات أو تحريفات تناقض القرآن الكريم وسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأئمة أهل البيت – الذين تزعم الشيعة الاتباع لهم – قد قرروا بوضوح فضل الصحابة والأنصار، مؤكّدين أن المهاجرين والأنصار هم الصادقون الذين ضحوا بأنفسهم وأموالهم في نصرة الإسلام، وأن الذين يتجاوزون القرآن في الحكم على الصحابة هم ضالون بعيدون عن منهج النبي وأئمته.
ويكشف هذا المقال من خلال نصوص عن الإمام زين العابدين، والباقر، والصادق، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، كيف أن أئمة أهل البيت قدروا الصحابة والأنصار حق قدرهم، وأظهروا تقديرهم للهجرة والجهاد في سبيل الله، مع تصحيح الروايات المخالفة للقرآن، وإظهار الفرق بين الحق والباطل.
يهدف المقال إلى توضيح أن الشيعة الذين يختلقون أحاديث باطلة عن الأئمة لتشويه الصحابة أو التقليل من فضلهم، ينحرفون عن المنهج الصحيح الذي أراده الله ورسوله، وأن الاتباع الحق هو الالتزام بالقرآن وسنة النبي وعدم الانحراف في تفسير فضائل الصحابة والأنصار.
روى أن نفراً من أهل العراق وفدوا على الإمام زين العابدين رحمه الله، فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبروني: ﴿أنتم المهاجرون الأولون الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]؟ قالوا: لا. قال: ﴿فأنتم وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] اخرجوا عني فعل الله بكم.
وقال زين العابدين عليه السلام:
اللهم وأصحاب محمد خاصة الذين أحسنوا الصحبة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره وكانفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا لـه، حيث أسمعهم حجة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10] خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحروا وجهتهم في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام لهم يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم.
وعن الباقر رحمه الله قال:
صلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالناس الصبح بالعراق، فلما انصرف وعظهم فبكى وأبكاهم من خوف الله تعالى، ثم قال: أما والله لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنهم ليصبحون ويمسون شعثاً غبراً خمصاً بين أعينهم كركب المعزى، ﴿يبيتون لربهم سجداً وقياماً﴾، يراوحون بين أقدامهم وجباههم، يناجون ربهم، ويسألونه فكاك رقابهم من النار، والله لقد رأيتهم مع ذلك وهم جميع مشفقون منه خائفون.
أ فما سمعت بأحد ولا رأيته هو أنصح لله في طاعة رسوله ولا أطوع لنبيه في طاعة ربه ولا أصبر على اللاواء والضراء وحين البأس ومواطن المكروه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من هؤلاء النفر الذين سميت لك وفي المهاجرين خير كثير تعرفه جزاهم الله خيرا بأحسن أعمالهم.
وقال الإمام الصادق رحمه الله:
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثني عشر ألفاً.. ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجيء ولا حروري ولا معتزلي ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار، ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار. يا معشر الأنصار: أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم وترجعون أنتم وفي سهمكم رسول الله؟ قالوا: بلى رضينا، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينئذٍ: الأنصار كرشي وعيبتي، لو سلك الناس وادياً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار. وزاد الطبرسي رحمه الله بعد قوله: لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار.
وقال أمير المؤمنين رضي الله عنه:
وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا احمر البأس وأحجم الناس قدم أهل بيته فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة[1].
إلزامات المقال:
◘ الالتزام بالقرآن الكريم في إثبات فضل الصحابة والأنصار.
◘ الاعتماد على نصوص الأئمة في توضيح تقدير الصحابة دون تحريف أو غلو.
◘ رفض الروايات الشيعية الباطلة التي تقلل من فضائل الصحابة أو تضلل القراء.
◘ إظهار الفرق بين منهج الأئمة الحقيقي ومنهج الغلاة في التشكيك بالصحابة.
◘ توضيح مكانة المهاجرين والأنصار في نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والجهاد في سبيل.
[1]أنظر مصادر هذه الروايات وعشرات غيرها في هداية المرتاب في فضائل الآل والأصحاب، لفيصل نور