موقف أئمة أهل البيت من الغلو وتحريف العقيدة: كشف زيف الروايات الباطلة عند الشيعة
يُعدّ موضوع الغلو وتحريف العقيدة من أخطر القضايا التي ابتُليت بها بعض الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وعلى رأسها الشيعة الإمامية، الذين امتلأت كتبهم بروايات مكذوبة وأقوال منسوبة زورًا إلى أئمة أهل البيت، تهدف إلى رفعهم فوق مقام العبودية، وإلحاقهم بصفاتٍ لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى. وقد ترتب على ذلك انحرافٌ عقديٌّ جسيم، وصل في بعض مراحله إلى القول بالجبر، أو تأليه الأئمة، أو نسبتهم إلى التصرف الكوني، أو الطعن في القرآن الكريم من حيث الخلق والمعنى والتناقض.
ومع أن الشيعة يزعمون الانتصار لأهل البيت، فإن نصوصهم المعتمدة نفسها تكشف بوضوح أن أئمة آل البيت كانوا في صراع مباشر مع الغلاة، والوضّاعين، وأصحاب الأهواء، وأنهم تبرؤوا منهم ولعنوهم، وحذّروا الأمة من خطرهم على العقيدة والقرآن والدين. ويهدف هذا المقال إلى تسليط الضوء على موقف أئمة أهل البيت الحقيقي من الغلو، وفضح التناقض الصارخ بين أقوالهم الثابتة، وما تروّجه الشيعة من روايات موضوعة تخدم مشروعًا عقديًا منحرفًا، يخرج عن الإسلام الصحيح.
وعن عبد السلام بن صالح الهروي، قال:
سمعت أبا الحسن علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام يقول: من قال بالجبر فلا تعطوه من الزكاة ولا تقبلوا له شهادة، إن الله تبارك وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يحملها فوق طاقتها ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى[1].
وعن سعيد الأعرج قال:
قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إن من عندنا من يتفقه يقولون: يرد علينا ما لا نعرفه في كتاب الله، ولا في السنة، نقول فيه برأينا؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: كذبوا، ليس شئ إلا وقد جاء في الكتاب، وجاءت فيه السنة[2].
وكانوا بالمرصاد لكل من سولت نفسه الإساءة للقرآن، كما حدث في محنة خلق القرآن، وقول الرضا رحمه الله في هذه المسألة: عصمنا الله وإياك من الفتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة! وإلا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أن الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له، وتكلف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلا الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسما من عندك فتكون من الضالين، جعلنا الله وإياك من الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون[3].
وفي مواقفهم أخرى رحمهم الله ممن أراد الإساءة للقرآن ما جاء عن الإمام العسكري عليه السّلام في قضيةٍ الكندي وهو فيلسوف العراق في زمانه، حيث أخذ في تأليف تناقض القرآن، وشَغَلَ نفسَه بذلك، وتفرّدَ به في منزله. وإنّ بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام فقال له أبو محمّد العسكري عليه السّلام: أما فيكم رجلٌ رشيد يرَدَعُ اُستاذكم الكنديّ عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ فقال التلميذ: نحنُ من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه في هذا أوفي غيره؟!فقال أبو محمّد عليه السّلام: أتؤدّي إليه ما اُلقيه إليك؟ قال: نعم. قال: فصِرْ إليه، وتلطَّفْ في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعتِ الاُنسَةُ في ذلك فقل: قد حَضَرتْني مسألة أسألكَ عنها. فانّه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاكَ هذا المتكلم بهذا القرآن، هل يجوز أن يكون مرادُه بما تكلَّم به منه غير المعاني التي قد ظننتَها أنك ذهبتَ إليها؟ فإنه سيقول: إنَّهُ من الجائز؛ لأنه رجلٌ يفهمُ إذا سمعَ، فإذا أوجب ذلكَ فقلْ له: فما يُدريك لعلَّهُ قد أرادَ غير الذي ذهبتَ أنتَ إليه، فتكون واضعاً لغير معانيه! فصار الرجلُ إلى الكِندي وتلطَّفَ إلى أن ألقى عليه هذه المسألة. فقال له: أعِدْ عليَّ! فأعاد عليه، فتفكَّر في نفسه، ورأى ذلك محتمَلاً في اللغة، وسائغاً في النظر. وجاء في المناقب لابن شهر آشوب: أنّ الكِنديّ لما سمع من تلميذه ما علّمه الإمام العسكر يقال: أقسمتُ عليكَ إلاّ أخبرتَني مِن أين لكَ هذا؟
فقال: إنّه شيء عَرَضَ بقلبي فأوردتُه عليك، فقال: كلاّ، ما مِثلك مَن اْهتدى إلى هذا ولا مَن بلغَ هذه المنزلة، فعرِّفْني مِن أينَ لَكَ هذا؟ فقال: أمَرَني به أبو محمد (يعني الإمام الحسن العسكري عليه السّلام). فقال: الآن جئتَ به وماكانَ ليَخرُجَ مثلُ هذا إلاّ مِن ذلكَ البيت ثمّ دعا بالنّار، وأحرقَ جميع ما كانأَلّفَ[4].
ومن محاربتهم للغلاة أيضاً ردهم على من قال بإلوهيتهم، فعن الرضا عليه السلام قال: حدثني أبي موسى بن جعفر عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن أأبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليه السلام، قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ترفعوني فوق حقي فإن الله تبارك تعالى اتخذني عبدا قبل أن يتخذني نبيا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 79-80] [5].
وعنه أيضا عليه السلام قال:
لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين، وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبدا لله طائعا، الويل لمن كذب علينا، وإن قوما يقولون فينا مالا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم[6].
وقال الصادق أيضاً:
والله ما نحن إلا عبيد الذي خلقنا واصطفانا، ما نقدر على ضر ولا نفع، وإن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشرون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون. ويلهم مالهم لعنهم الله! لقد آذوا الله وآذوا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في قبره وأمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي صلوات الله عليهم، وها أنا ذا بين أظهركم لحم رسول الله وجلد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبيت على فراشي خائفاً وجلاً مرعوباً يأمنون وأفزع، ينامون على فرشهم وأنا خائف ساهر وجل، أتقلقل بين الجبال والبراري[7].
وقال عليه السلام: لعن الله من قال فينا مالا نقوله في أنفسنا، ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا[8].
وعن حنان بن سدير أنه قال لأبي عبد الله عليه السلام:
إن قوماً يزعمون أنكم آلهة.
فقال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء، برئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ودين آبائي، والله يجمعني وإياهم يوم القيامة إلا وهو عليهم ساخط[9].
وقال عليه السلام وقد قيل له أن المفضل بن عمر يقول: إنكم تقدرون أرزاق العباد. فقال: والله ما يقدر أرزاقنا إلا الله، ولقد احتجت إلى طعام لعيالي فضاق صدري وأبلغت إلي الفكرة في ذلك حتى أحرزت قوتهم، فعندها طابت نفسي، لعنه الله وبرئ منه، قالا: أفنلعنه ونتبرأ منه؟ قال: نعم، فلعناه وبرئنا منه، برئ الله ورسوله منه[10].
وقال عليه السلام: إنا والله عبيد مخلوقون لنا رب نعبده وأن لم نعبده عذبنا[11].
وعن أبي الحسن العسكري عليه السلام أنه كتب إلى بعض أصحابنا في كتاب في حق الغلاة، قال: وإن وجدت من أحد منهم خلوة فاشدخ رأسه بالصخرة[12].
الزامات المقال:
◘ إلزام الشيعة بالإقرار بأن أئمتهم كفّروا الغلاة ولعنوهم، ومنهم من قال بألوهية الأئمة أو تصرفهم الكوني.
◘ إلزامهم بأن القول بالجبر والطعن في القرآن بدعة مرفوضة بنصوص أئمتهم.
◘ إلزامهم بالتناقض بين ما يقرره علماؤهم المتأخرون، وما ثبت عن أئمة آل البيت.
◘ إلزامهم بأن التشيع الإمامي بصورته الحالية ليس مذهب أهل البيت، بل مذهب الغلاة.
[1]التوحيد، للصدوق 362، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 9/224
[2]بصائر الدرجات، لمحمد بن الحسن الصفار 321، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/258
[3] الأمالي، للصدوق 639، التوحيد، للصدوق 224
[4]مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3 /526، بحار الأنوار، للمجلسي، 50 /311
[5]عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للصدوق، 1/217، بحار الأنوار، للمجلسي، 25/134
[6]بحار الأنوار، المجلسي، 25/286
[7]بحار الأنوار، المجلسي، 25/289
[8]بحار الأنوار، المجلسي، 25/297
[9]بحار الأنوار، المجلسي، 25/298
[10]خاتمة المستدرك، للميرزا النوري، 4/108، بحار الأنوار، المجلسي، 25/301
[11]مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3/347، بحار الأنوار، المجلسي، 25/303
[12]وسائل الشيعة، للحر العاملي، 28/337، بحار الأنوار، للمجلسي، 25/317