تفنيد شبهة التحريف وردّها من كلام القاضي أبي بكر الباقلاني

القرآن الكريم هو أصلُ الإسلام وأساسُ الدين، وقد تكفّل الله تعالى بحفظه من التحريف والزيادة والنقص، فقال جلّ شأنه: ﴿۞ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ۞.

ومع هذا الأصل القطعي، ظهرت عبر التاريخ شبهاتٌ نسبت إلى بعض الصحابة قراءاتٍ مزعومة تتضمّن زياداتٍ في ألفاظ القرآن، استُخدمت للطعن في المصحف المتواتر، أو لإقحام معانٍ مذهبية فيه.

ومن أشهر هذه الدعاوى: الزعم بأن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ آياتٍ فيها زيادة «وآل محمد»، أو «بعلي»، وهي شبهة تتكرر في كتب غير معتمدة، ويستدل بها بعض المنتسبين إلى الشيعة لإثبات دعوى التحريف.

ويهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الشبهة علميًا، وبيان عدم ثبوتها في كتب أهل السنة المعتبرة، مع نقل كلامٍ حاسم للإمام القاضي أبي بكر الباقلاني المالكي، أحد كبار أئمة أهل السنة، الذي وصف هذه الدعوى بأنها بهتٌ وزور، وكشف تهافتها سندًا ودلالةً.

أولًا: عرض الشبهة

يدّعي بعضهم أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كان يقرأ:

في قوله تعالى: ﴿۞ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكان اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ۞
بزيادة: (بعلي).

وفي قوله تعالى: ﴿۞ أن اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ۞ بزيادة: (وآل محمد).

ويُستدل بهذه الدعوى من كتب غير معتبرة، مثل:

شواهد التنزيل للحسكاني الشيعي، وتفسير الثعلبي.

ولا توجد هذه الروايات بسندٍ صحيح في كتب أهل السنة المعتمدة، ولا في دواوين القراءات، ولا في كتب الحديث الموثوقة.

ثانيًا: موقف أهل السنة من هذه الدعوى

بعد البحث والتتبع، لا يوجد أصل صحيح لهذه القراءة في:

الصحيحين،

ولا السنن،

ولا كتب القراءات المتواترة،

ولا مصنفات السلف المعتمدة.

ولو كانت هذه القراءة ثابتة عن ابن مسعود رضي الله عنه:

لنُقلت بالتواتر،

ولقبلها أئمة القراءات،

ولاشتهرت شهرةً تغني عن تتبع الآحاد.

ثالثًا: الردّ العلمي من الإمام أبي بكر الباقلاني

قال الإمام القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي (ت 403هـ) في كتابه الانتصار:

«فأمَّا ادعاؤهم أن عبد الله بن مسعود كان يقرأ:

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ (بعلي) وَكان اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا،

وإنه كان يقرأ في آل عمران:

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ (وآل محمد) عَلَى الْعَالَمِينَ
فإنه بهتٌ وزورٌ، وليس هذا بمعروفٍ في أصحاب الحديث، ولا مرويًّا روايةً تقوم بها حجة»

(الانتصار، ج 2، ص 456)

ثم بيّن الباقلاني أن:

أهل السنة لا ينكرون فضل علي وآل محمد رضي الله عنهم،

ولكنهم ينكرون الكذب على القرآن،

وأن ردّ هذه القراءات ليس لدلالة فاسدة، بل لعدم ثبوتها أصلًا.

رابعًا: لمإذا هذه الشبهة باطلة؟ (الرد المختصر)

انعدام السند الصحيح: لا يوجد إسناد معتبر إلى ابن مسعود.

مخالفة التواتر: القرآن نُقل بالتواتر، وهذه زيادات آحاد مكذوبة.

إقرار أئمة السنة بفضل آل البيت: فلا دافع عقدي للإنكار.

إجماع الأمة على المصحف العثماني: ولم يُعرف عن ابن مسعود مخالفة في ألفاظ القرآن.

استغلال كتب غير معتمدة: مثل شواهد التنزيل، وهي ليست حجة.

خامسًا: إلزامات هذه الشبهة

لو قُبلت هذه الدعوى:

للزم القول بتحريف القرآن.

ولسقط الاحتجاج بالمصحف المتواتر.

ولزم الطعن في إجماع الصحابة.

ردّها يثبت:

سلامة القرآن من التحريف.

كذب دعاوى الزيادات المذهبية.

أن الخلاف ليس في الفضل بل في الكذب على النص.

المصادر:

القاضي أبو بكر الباقلاني، الانتصار، ج 2، ص 456.

القرآن الكريم.

كتب القراءات المتواترة.

كتب الحديث المعتمدة عند أهل السنة.