يُعَدّ الإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله من أعظم أئمة الإسلام، وقد بلغ في الحديث والفقه منزلةً لم يدركها كثير من أقرانه، حتى صار كتابه الجامع الصحيح عمدة الأمة في السنة النبوية. ومع هذه المنزلة الرفيعة، لم يسلم الإمام البخاري من حملات التشويه التي تقودها الفرق الضالة، وعلى رأسها الشيعة، الذين اعتادوا الطعن في أئمة أهل السنة، إما بزعم الجهل، أو الادعاء بالتقليد الأعمى، أو نفي الفقه والاجتهاد عن كبار المحدثين.
ومن أخطر هذه الدعاوى زعمهم أن الإمام البخاري كان مجرد ناقل للأحاديث، لا فقه له، أو أنه تابع لمذهب فقهي بعينه دون نظر أو استنباط، في محاولة لإسقاط قيمة تراجم صحيحه، والتشكيك في اختياراته الفقهية، ومن ثم الطعن في السنة النبوية من أصلها.
ويهدف هذا المقال إلى بيان المذهب الفقهي الحقيقي للإمام البخاري رحمه الله، وإثبات كونه مجتهدًا مستقلًا، لا مقلدًا، وذلك من خلال شهادات كبار الأئمة والعلماء، وكشف زيف الشبهة التي يرددها الشيعة ومن تبعهم بغير علم.
السؤال :
ماذا كان مذهب الإمام البخاري رحمه الله ؟
الجواب :
الحمد لله :أما مذهب الإمام البخاري رحمه الله الفقهي فقد كان مذهبا خاصا ، لم يكن مقلدا لأي من المذاهب المتبوعة ، بل كان من أهل الاجتهاد المطلق ، وقد وصفه بالفقه كثير من الأئمة ، حتى قال محمد بن بشار : " دخل اليوم سيد الفقهاء " كما في " تاريخ بغداد " (2/6) .
وقال أبو مصعب أحمد بن أبي بكر المديني :
" محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل ، فلما اعترض عليه بعض جلسائه قائلا : جاوزت الحد ، قال أبو مصعب : لو أدركت مالكا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل لقلت : كلاهما واحد في الفقه والحديث " .
ينظر "تاريخ بغداد" (2/19).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" أما البخاري ، وأبو داود ، فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد .
وأما مسلم ؛ والترمذي ؛ والنسائي ؛ وابن ماجه ؛ وابن خزيمة ؛ وأبو يعلى ؛ والبزار ؛ ونحوهم ؛ فهم على مذهب أهل الحديث ، ليسوا مقلدين لواحد بعينه من العلماء ، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق ، بل هم يميلون إلى قول أئمة الحديث كالشافعي ؛ وأحمد ؛ وإسحاق ، وأبي عبيد ؛ وأمثالهم " انتهى من "
مجموع الفتاوى " (20/40) .
ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله – في جواب من وصف تراجم البخاري بالتقليد - :
" ولأنه لزم منه أن البخاري يقلد في التراجم ، والمعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام من الأحاديث ، ويترجم لها ، ويتفنن في ذلك بما لا يدركه غيره " انتهى من " فتح الباري " .
ويقول الشيخ محمد أنور الكشميري رحمه الله تعالى (ت1352هـ):
" البخاري عندي سلك مسلك الاجتهاد ولم يقلد أحدا في كتابه " .
انتهى من " فيض الباري " (1/438) .
هذا ولا ينكر أن بعض الأئمة المتقدمين نسبوا البخاري إلى مذاهبهم ، فذكره القاضي ابن أبي يعلى الفراء في " طبقات الحنابلة " (1/271)، والسبكي في " طبقات الشافعية " (2/3)، غير أن الوصف الأدق هو ما سبق تقريره أنه مجتهد مستقل بمذهبه ، أخذ الفقه عن جميع المذاهب ، واطلع على مدارس الرأي والحديث ، ثم استقل بآرائه التي تنوعت فيها اختياراته ما بين هذه المذاهب ، وقد أجمع على ذلك عامة الدراسات المختصة التي أنشئت لدراسة " فقه الإمام البخاري "، وقفنا منها على نحو من خمس عشرة رسالة علمية مهمة ، كلها تخلص بنتيجة في آخر المطاف ، أن تراجم الفقه في " صحيح البخاري " لا تنتسب إلى مذهب معين ، لا في جميعها ولا معظمها ، بل تظهر فيها شخصية مجتهدة مستقلة .
يقول الدكتور نور الدين عتر :
" أما البخاري فكان في الفقه أكثر عمقا وغوصا ، وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غواص في الفقه والاستنباط ، بما لا يقل عن الاجتهاد المطلق ، لكن على طريقة فقهاء المحدثين النابهين ، وقد قرأ منذ صغره كتب ابن المبارك وهو من خواص تلامذة أبي حنيفة ، ثم اطلع على فقه الحنفية وهو حدث – كما أخبر عن نفسه -، واطلع على فقه الشافعي من طريق الكرابيسي ، كما أخذ عن أصحاب مالك فقهه ، فجمع طرق الاجتهاد إحاطة واطلاعا ، فتهيأ له بذلك مع ذكائه المفرط وسيلان ذهنه أن يسلك طريق المجتهدين ، ويبلغ شأوهم . وهذا كتابه شاهد صدق على ذلك ، حيث يستنبط فيه الحكم من الأدلة ، ويتبع الدليل دون التزام مذهب من المذاهب ، والأمثلة التي ضمها بحثنا عن فقهه وما أوجزنا من القول في عمق تراجمهم وتنوع طرق استنباطه ، يدل على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين ، وليس مقلدا لمذهب ما ، كما يدعي بعض أتباع المذاهب " انتهى من " الإمام الترمذي والموازنة بينه وبين الجامع الصحيح " (ص391) .
وينظر للفائدة : الحسيني هاشم في " الإمام البخاري محدثا وفقيها " (ص161-205) .
والله أعلم .
الشبهة:
|
يزعم الشيعة أن الإمام البخاري لم يكن فقيهًا مجتهدًا، وأنه إما كان مقلدًا لمذهب فقهي معين، أو ناقلًا للأحاديث دون فقه، وأن تراجم صحيحه انعكاس لتقليد مذهبي لا اجتهاد علمي. |
الرد على الشبهة:
هذه الدعوى باطلة علميًا وتاريخيًا، ويكذبها إجماع أهل العلم قديمًا وحديثًا:
أولًا: شهادة الأئمة بفقهه واجتهاده
قال محمد بن بشار: «دخل اليوم سيد الفقهاء»
(تاريخ بغداد 2/6)
وقال أبو مصعب المديني: «محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من ابن حنبل»
(تاريخ بغداد 2/19)
وهذه شهادات من معاصريه، لا من المتأخرين.
ثانيًا: تقرير شيخ الإسلام ابن تيمية
قال ابن تيمية رحمه الله:
«أما البخاري، وأبو داود، فإمامان في الفقه من أهل الاجتهاد»
(مجموع الفتاوى 20/40)
وهذا نص قاطع في كونه مجتهدًا لا مقلدًا.
ثالثًا: تفنيد دعوى التقليد
قال الحافظ ابن حجر ردًا على من زعم تقليده:
«المعروف الشائع عنه أنه هو الذي يستنبط الأحكام من الأحاديث، ويترجم لها»
(فتح الباري)
وهذا ينسف دعوى التقليد من أصلها.
رابعًا: تقرير العلماء المتأخرين
قال الشيخ محمد أنور الكشميري:
«البخاري عندي سلك مسلك الاجتهاد ولم يقلد أحدًا في كتابه»
(فيض الباري 1/438)
وقال الدكتور نور الدين عتر مؤكدًا:
«يدل على أنه مجتهد بلغ رتبة المجتهدين، وليس مقلدًا لمذهب ما»
خامسًا: سبب نسبة البخاري إلى بعض المذاهب
نسبة بعض المتقدمين له إلى الشافعية أو الحنابلة كانت نسبة تقريب أو موافقة في بعض المسائل، لا نسبة تقليد، بدليل اختلاف اختياراته داخل صحيحه عن هذه المذاهب في مواضع كثيرة.
سادسًا: مقصد الطعن الشيعي
الطعن في فقه الإمام البخاري ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للطعن في:
◘ تراجم الأبواب
◘ الاستنباطات الفقهية
◘ حجية السنة
وهو منهج معروف عند هذه الفرقة الضالة في إسقاط أئمة أهل السنة واحدًا تلو الآخر.