يتناول هذا المقال قضية الحكم بن أبي العاص وما أثير حول لعن النبي صلى الله عليه وسلم له ولمن يخرج من صلبه، ويبين كيف استغلت بعض الروايات الضعيفة من قبل الرافضة لتشويه عقيدة أهل السنة في تعديل الصحابة والثقات.
يركز المقال على تحليل الأحاديث والروايات المتعددة التي ورد فيها لعن الحكم بن أبي العاص، من رواية عبد الرزاق عن ابن عيينة وعن الشعبي، ومسند أحمد، والطبراني، وأسد الغابة، ويبين ضعف بعضها واختلافها وتناقضاتها كما أشار الحافظ الذهبي وعبد الله بن أحمد، ويؤكد أن الراجح منها منقطع أو منكر.
كما يوضح المقال الفرق بين اللعن المشروع للمنافقين أو الأفراد المخالفين لأوأمر الله وبين الصحابة الثقات، ويكشف محاولات الرافضة تحريف النصوص لتشويه عقيدة أهل السنة، مؤكداً أن هذا لا يغير من حقيقة تقدير الله للمهاجرين والأنصار والرجال الثقات.
نص الرواية:
قال إسحاق أنا عبد الرزاق حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد ومجالد عن الشعبي قال: «لعن رسول الله e الحكم ومن يخرج من صلبه». رواه أحمد عن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد ومجالد عن الشعبي قال سمعت ابن الزبير وهو مستند إلى الكعبة وهو يقول ورب هذه الكعبة».
الحكم على نص الرواية:
◘ ذكره الحافظ في (المطالب العالية2/456). وفي (إتحاف الخيرة المهرة8/29) «رواته ثقات».
◘ ومجرد وثاقة الشعبي لا تكفي فإن الشعبي ما سمعه من رسول الله ولا حدثنا عمن أخذه عن رسول الله. فالرواية منقطعة.
حدثنا أحمد قال: نا محمد بن خلف العسقلاني قال: نا معاذ بن خالد قال: نا زهير بن محمد قال: نا صالح بن أبي صالح إنه سمع نافع بن جبير يحدث عن أبيه قال: « بينا أنا مع النبي e في الحجر إذ مر الحكم بن أبي العاص، فقال النبي e: «ويل لأمتي مما في صلب هذا».
◘ وهو حديث منكر كما قال عبد الله بن أحمد « سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر» (علل الحديث2/415).
◘ ورواه الطبراني وقال «لا يروى هذا الحديث عن جبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن خلف» (المعجم الأوسط4/38). وفي العلل عن عبد الله « سألت أبي عن هذا الحديث فقال: هو منكر.
قلت: لعله يريد تفرد محمد بن خلف بالرواية وإلا فمحله الصدق كما في التقريب (2/72). ويبدو أن الآفة أيضًا من معاذ بن خالد فإنه لين الحديث وله مناكير. وزهير بن محمد يروي عنه أهل الشام المناكير. وروى عنه ما لم يتفرد به. فتبقى الآفة في معاذ والله اعلم.
وقد وردت روايات عديدة أفادت بأن النبي e لعن الحكم بن أبي العاص وكل من يخرج من صلبه، غير إنها متناقضة. وهي لم تصح كما أفاد الذهبي.
رويات الشيعة المتناقضة حول لعن النبي للحكم:
منها:
◘ روى مسلمة بن علقمة عن داود بن أبى هند عن الشعبى عن قيس بن حبتر عن بنت الحكم بن أبى العاص: إنها قالت للحكم: « ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا وأعجز في أمر رسول الله e منكم يا بنى أمية فقال: لا تلومينا يا بنية إنى لا أحدثك إلا ما رأيت بعينى هاتين. قلنا والله ما نزال نسمع قريشا تقول يصلي هذا الصابئ في مسجدنا، فتواعدوا له تأخذوه فتواعدنا إليه فلما رأيناه سمعنا صوتا ظننا إنه ما بقى بتهامة جبل إلا تفتت علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا إليه فرأيت الصفا والمروة التقتا أحداهما بالاخرى فحالتا بيننا وبينه فوالله ما نفعنا ذلك قال أبو أحمد العسكري بعضهم يقول هو الحكم بن أبى العاص وقيل إنه رجل آخر يقال له الحكم بن أبى الحكم الاموى أخبرنا عمر بن محمد بن المعمر البغدادي وغيره».
مسلمة بن علقمة ضعيف.
ضعفه أحمد وقال الحافظ « صدوق له اوهام». وداود بن أبي هند: ثقة متقن اختلط بأخرة.
منها:
◘ أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن محمد بن أحمد الحريري أخبرنا أبو إسحق البرمكى أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن خلف بن بخيت الدقاق أخبرنا عبد الله بن سليمان بن الاشعث أبو بكر بن ابى داود اخبرنا محمد بن خلف العسقلاني اخبرنا معاذ بن خالد اخبرنا زهير بن محمد عن صالح بن ابى صالح حدثنى نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال « كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر الحكم بن أبى العاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل لامتي مما في صلب هذا وهو طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم نفاه من المدينة إلى الطائف وخرج معه ابنه مروان وقيل أن مروان ولد بالطائف»
(أسد الغابة2/40).
وقد قيل أن الحكم بن العاص هو الذي كان ينظر إلى النبي صلى الله عليه من خلال ثقوب باب منزله عليه الصلاة والسلام. وقد ثبت لعن النبي إياه. فكان مإذا؟
لم ننكر أن من الناس من عاصروا النبي e وقد لعنهم. فإذا ثبت النص فيهم خرجوا عن قاعدتنا في شروط العدالة.
ولكن زكى الله في القرآن المهاجرين والأنصار وأنتم تعارضون القرآن فتجرحونهم. ويدعي الكليني إنهم ارتدوا.
ومن وصف القرآن بالتحريف فعليه لعنة والملائكة والناس ولكن ليس أجمعين، لأن قسما من الناس وهم الرافضة يأبون لعنه، وإنما يقولون مجتهد.
وبهذا يتضح للقارئ الكريم أن الرافضة يكفرون من زكاهم الله ويزكون من يلعنهم الله كالمجلسي والكليني. فالكليني ثقة الإسلام عندهم وشيخه علي بن إبراهيم القمي.
ولا نزال ننتظر أن تزكوا المهاجرين والأنصار وتخالفوا الكليني وأشك أن تفعلوا.
الشبهة:
|
يزعم بعض الرافضة أن لعن الحكم بن أبي العاص والنصوص المتعلقة به يشكك في عدالة جميع الصحابة، ويستدلون على ذلك بروايات منقطعة أو منكرة، مدعين أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن كل من خرج من صلبه، ويفهم منها أن هذا يشمل الصحابة الأجلاء.. |
الرد على الشبهة
ضعف الروايات:
◘ الحديث عن عبد الرزاق وعن ابن عيينة وعن الشعبي منقطع، كما أفاد الحافظ الذهبي والحافظ عبد الله بن أحمد بإنه منكر.
◘ روايات مسلمة بن علقمة وداود بن أبي هند ضعيفة، والتناقض بين الروايات يجعل الاعتماد عليها غير صحيح.
الحكم بن أبي العاص ومكانته:
◘ كان الحكم بن أبي العاص منافقاً وطريد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما ذكره ابن حزم وابن أبي حاتم والهيثمي.
◘ لعن النبي له لا يعني المساس بالصحابة الثقات، بل هو استثناء خاص بالأفراد الذين ثبت فيهم النفاق أو المعصية.
التحريف الشيعي:
◘ الرافضة استغلوا هذه الروايات الضعيفة لتشويه عقيدة أهل السنة في تعديل الصحابة، مدعين أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن عدداً من الصحابة، وهو باطل علمياً.
الفرق بين المنافقين والمهاجرين والأنصار:
◘ القرآن الكريم زكى المهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾، واللّعن لا ينطبق عليهم.
◘ يجب التفريق بين الأفراد الذين ثبتت فيهم المخالفة وبين الثقات الذين زكاهم الله ورسوله.