نصوص صريحة بالتواتر من كتب الشيعة الاثني عشرية

تمهيد عقدي: القرآن أصل الدين ومحور الإيمان:

الإيمان بالقرآن الكريم كما أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ، محفوظًا من كل تحريف أو نقص أو زيادة، هو أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، بل هو الركن الذي يقوم عليه الدين كلّه؛ إذ لا يُتصوَّر دين بلا كتاب محفوظ، ولا شريعة بلا وحي مصون.

وقد تكفّل الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه بنفسه، فقال جلّ شأنه:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾،

وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام قاطبةً على أن المصحف الذي بين أيدي المسلمين اليوم هو عين القرآن الذي بلّغه رسول الله ﷺ للأمة، حرفًا بحرف، بلا زيادة ولا نقصان.

غير أن الباحث في كتب الشيعة الإمامية الاثني عشرية يقف على حقيقة عقدية خطيرة، تتجلّى في كثرة النصوص الصريحة المنقولة عن كبار علمائهم، والتي تقرر – بلا مواربة – وقوع التحريف والنقص والزيادة في القرآن الكريم، بل وتدّعي أن هذه العقيدة ثابتة عندهم بالتواتر المعنوي، وأن ردّها أو إنكارها يستلزم – عندهم – إسقاط الثقة بجميع رواياتهم وأصول مذهبهم.

التحريف في كتب الإمامية: عقيدة لا رأيًا شاذًا

من أخطر ما يميّز هذه القضية أن القائلين بتحريف القرآن ليسوا أفرادًا هامشيين أو متأخرين بلا وزن علمي، بل هم من أكابر علماء الإمامية، وشرّاح كتبهم المعتمدة، وأصحاب الموسوعات الحديثية والتفسيرية التي تُعدّ مراجع أساسية في المذهب.

وقد صرّح هؤلاء العلماء بوضوح أن الأخبار الدالة على تحريف القرآن كثيرة، مستفيضة، بل متواترة معنًى، وأن إنكارها لا يمكن قبوله بعد استعراض رواياتهم، بل يؤدّي – بحسب تصريحهم – إلى هدم المذهب من أساسه.

وفيما يلي عرضٌ لنصوصهم الصريحة، كما وردت في كتبهم المعتمدة، دون زيادة أو نقص.

أولًا: تصريح المازندراني بالتواتر المعنوي لتحريف القرآن

قال محمد صالح المازندراني:

"وإسقاط بعض القرآن وتحريفه ثبت من طرقنا بالتواتر معنى كما يظهر لمن تأمل في كتب الأحاديث من أولها إلى آخرها"

شرح أصول الكافي – محمد صالح المازندراني – ج 11 ص 87

وهذا النص واضح الدلالة؛ إذ يقرّر أن إسقاط بعض القرآن وتحريفه ثابت من طرق الإمامية بالتواتر المعنوي، ويجعل الرجوع إلى كتبهم الحديثية كافيًا لإثبات هذه العقيدة.

ثانيًا: المجلسي الأكبر والتصريح بأن أخبار التحريف متواترة

قال محمد باقر المجلسي:

 "ولا يخفى أن هذا الخبر وكثير من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره، وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأسا، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة، فكيف يثبتونها بالخبر"

مرآة العقول – محمد باقر المجلسي – ج 12 ص 525

بل ويؤكد المجلسي في موضع آخر:

"والأخبار من طريق الخاصة والعامة في النقص والتغيير متواترة، والعقل يحكم بأنه إذ كان القرآن متفرقا منتشرا عند الناس، وتصدي غير المعصوم لجمعه يمتنع عادة أن يكون جمعه كاملا موافقا للواقع، لكن لا ريب في أن الناس مكلفون بالعمل بما في المصاحف وتلاوته حتى يظهر القائم عليه السلام، وهذا معلوم متواتر من طريق أهل البيت عليهم السلام، وأكثر أخبار هذا الباب مما يدل على النقص والتغيير"

مرآة العقول – محمد باقر المجلسي – ج 3 ص 30–31

وهنا يصرّح المجلسي بأن جمع القرآن على يد غير المعصوم ممتنع عنده أن يكون كاملًا، وأن الأخبار الدالة على النقص والتغيير أكثر أخبار هذا الباب.

ثالثًا: نعمة الله الجزائري وإطباق الإمامية على أخبار التحريف

قال نعمة الله الجزائري:

 "روى أصحابنا ومشايخنا في كتب الأصول من الحديث وغيرها أخبارا كثيرة بلغت حد التواتر في أن القرآن قد عرض له التحريف وكثير من النقصان وبعض الزيادة"

نور البراهين – نعمة الله الجزائري – ج 1 ص 526

وقال أيضًا: "إن تسليم تواترها – يعني القراءات السبع – عن الوحي الإلهي، وكون الكل قد نزل به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاما ومادة وإعرابا، مع أن أصحابنا رضوان الله عليهم قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها"

الأنوار النعمانية – نعمة الله الجزائري – ج 2 ص 246

وهذا النص يقرّر إطباق أصحاب الإمامية على تصديق أخبار التحريف، ويجعل ردّها معارضًا لأصول المذهب نفسه.

رابعًا: محمد تقي المجلسي والطعن في من نفى التحريف

قال محمد تقي المجلسي معترضًا على الصدوق:

"إنما العجب من المصنف أنه ذكر في رسالته في الاعتقادات أن القرآن الذي نزل به جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله هذا القرآن لم يكن زائدا عليه ولا ناقصا عنه، مع أن الأخبار في طرق العامة والخاصة متواترة بأنه كان زائدا عليه ونقصوا عنه لمصلحة مذهبهم الفاسد"

روضة المتقين – محمد تقي المجلسي – ج 10 ص 19–20

وفي هذا النص اتهام صريح لمن نفى التحريف بأنه خالف الأخبار المتواترة عندهم.

خامسًا: حبيب الله الخوئي ونفي إمكانية إنكار النقص

قال حبيب الله الخوئي:

 "والإنصاف أن القول بعدم النقص فيه مما يمكن إنكاره بعد ملاحظة الأدلة والأخبار التي قدمناها، فإنها قد بلغت حد التواتر"

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة – حبيب الله الخوئي – ج 2 ص 220

سادسًا: البحراني وتقرير مذهب المتقدمين والمتأخرين

قال البحراني:

 "ثم أقول: ومما يدفع ما ادعوه أيضا استفاضة الأخبار بالتغيير والتبديل في جملة من الآيات من كلمة بأخرى زيادة على الأخبار المتكاثرة بوقوع النقص في القرآن والحذف منه كما هو مذهب جملة من مشايخنا المتقدمين والمتأخرين"

> الحدائق الناضرة – البحراني – ج 8 ص 102

سابعًا: سلطان محمد الخراساني والتأكيد على الاستفاضة

قال سلطان محمد الخراساني:

"اعلم أنه قد استفاضت الأخبار عن الأئمة الأطهار بوقوع الزيادة والنقيصة والتحريف والتغيير فيه بحيث لا يكاد يقع شك"

تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة – مؤسسة الأعلمي – ص 19

الإلزامات العقدية المترتبة على هذه الأقوال:

تصريح كبار علماء الإمامية بأن تحريف القرآن ثابت بالتواتر المعنوي يثبت أن هذه العقيدة أصل مذهبي لا رأي فردي.

القول بوقوع النقص أو الزيادة أو التغيير في القرآن تكذيبٌ صريح للقرآن نفسه وطعن في وعد الله بحفظه.

هذه الأقوال تستلزم الطعن في النبي ﷺ، بزعم أنه لم يبلّغ القرآن كاملًا أو لم يحفظه للأمة.

إنكار سلامة المصحف المتواتر ينسف أصل الاحتجاج بالقرآن ويهدم الدين من أساسه.

مدح علماء الإمامية لهؤلاء القائلين بالتحريف دليل رضاهم بعقيدتهم لا البراءة منها.

من يعتقد بتحريف القرآن لا يصحّ وصفه بالإسلام؛ لأن الإيمان بكتاب محفوظ شرطٌ في صحة الدين.

الخلاف مع الشيعة الإمامية خلاف عقدي في أصل الوحي، لا خلاف فقهي أو اجتهادي.

الوثائق الخاصة بهذا المقال اضغط هنا على الرابط