حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» بين الفهم الصحيح ومنهج الشيعة في تحريف النصوص
تُعدّ الأحاديث النبوية من أهم مصادر العقيدة الإسلامية، ولا يصح فهمها إلا وفق منهج السلف الصالح الذين جمعوا بين سلامة الفهم وصحة الاستدلال. غير أن الفرق الضالة – وعلى رأسها الشيعة – اتخذت من بتر النصوص وتحريف دلالاتها وسيلة للطعن في الأنبياء عليهم السلام، وفي عقيدة أهل السنة والجماعة، مستغلين جهل بعض الناس بأساليب العرب، ومقاصد الشريعة، ومنهج أئمة الحديث.
ومن الأحاديث التي أسيء فهمها – عمدًا لا جهلًا – حديث النبي ﷺ:
«نحن أحق بالشك من إبراهيم»
حيث زعمت الشيعة أن الحديث يثبت الشك لنبي الله إبراهيم عليه السلام، بل ويثبت الشك للنبي ﷺ نفسه، مستغلين ظاهر اللفظ دون الرجوع إلى كلام أهل العلم، أو إلى سياق الحديث، أو إلى القواعد العقدية القطعية التي تقرر عصمة الأنبياء في باب الإيمان بالله تعالى.
ويهدف هذا المقال إلى بيان المعنى الصحيح للحديث، وكشف التحريف الشيعي له، مع الاستناد إلى توجيهات كبار أئمة أهل السنة كابن قتيبة، والخطابي، وابن الجوزي، رحمهم الله تعالى، ليتضح للقارئ المنصف أن الشبهة لا تقوم على علم، وإنما على هوى وعداء للسنة وأهلها.
نص الرواية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: « نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي. ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي..».
رواه البخاري3/1233 حديث رقم3192 باب قوله عز وجل ونبئهم عن ضيف إبراهيم و4/1650 حديث رقم4263 باب وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى. ورواه مسلم1/133 حديث رقم151 باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
توجيهات الحديث :
يقول ابن قتيبة رحمه الله تعالى :
قال قوم سمعوا الاية شك ابراهيم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم فقال الرسول صلى الهل عليه وسلم انا احق بالشك من ابراهيم عليه السلام تواضعا منه وتقديما لابراهيم علي نفسه يريد انا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو تاويل مختلف الحديث لابن قتيبة صفحة 91 -92
يقول الخطابي رحمة الله تعالى :
مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس وليس في قوله نحن احق بالشك من ابراهيم اعتراف بالشك على نفسه ولا علي ابراهيم عليه السلام ولكن فيه نفي الشك عن كل واحد منهما يقول اذا لم اشك انا ولم ارتب في قدرة الله تعالى على احياء الموىفابراهيم اولي بان لايشك فيه
اعلام الحديث في شرح صحيح البخاري للخطابي المجلد الثالث صفحة 545 -546
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى :
مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس وليس في قوله نحن احق بالشك اثبات شك له ولا لابراهيم وانما يتضمن نفي الشك عنهما
كشف المشكل من حديث الصحيحين لابي الفرج الجوزي المجلد الثالث صفحة 358
الشبهة:
|
تزعم الشيعة أن حديث «نحن أحق بالشك من إبراهيم» يدل على أن إبراهيم عليه السلام شك في قدرة الله على إحياء الموتى، وأن النبي ﷺ أقرّ ذلك، بل جعل نفسه أولى بالشك، وهو – بزعمهم – طعن صريح في عصمة الأنبياء. |
الرد على الشبهة:
هذه الشبهة باطلة من وجوه متعددة:
أولًا: عصمة الأنبياء في باب الإيمان
الإيمان بقدرة الله تعالى أصل قطعي، والأنبياء معصومون من الشك في أصول الإيمان، ولا يجوز حمل نص شرعي على ما يخالف القطعيات.
ثانيًا: سياق الآية والحديث
قول إبراهيم عليه السلام:
﴿بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
دليل صريح على أنه لم يشك، وإنما سأل زيادة طمأنينة، كما يسأل المؤمن عن زيادة علم ويقين.
ثالثًا: تواضع النبي ﷺ لا إقراره للشك
قال ابن قتيبة رحمه الله:
«قال قوم: شك إبراهيم ولم يشك نبينا ﷺ، فقال الرسول: أنا أحق بالشك من إبراهيم تواضعًا منه… يريد: أنا لم نشك ونحن دونه، فكيف يشك هو»
(تأويل مختلف الحديث ص 91–92)
فالنبي ﷺ نفى الشك عن نفسه وعن إبراهيم معًا، ولم يثبته.
رابعًا: تصريح الخطابي بنفي الشك
قال الإمام الخطابي رحمه الله:
«ليس في قوله نحن أحق بالشك من إبراهيم اعتراف بالشك على نفسه ولا على إبراهيم، وإنما فيه نفي الشك عن كل واحد منهما»
(إعلام الحديث 3/545–546)
وهذا نص قاطع يبطل تأويل الشيعة.
خامسًا: توجيه ابن الجوزي
قال ابن الجوزي رحمه الله:
«مخرج هذا الحديث مخرج التواضع وكسر النفس… ويتضمن نفي الشك عنهما»
(كشف المشكل 3/358)
فأين بعد هذا الوضوح مجال لدعوى الشك؟
سادسًا: المنهج الشيعي في التحريف
الشيعة لم ينقلوا أقوال العلماء، ولم يراعوا أساليب العرب في الكلام، ولا مقاصد التواضع النبوي، بل اقتطعوا لفظًا، وحمّلوه ما لا يحتمل، للطعن في الأنبياء، وهو منهج معروف عن هذه الفرقة الضالة.