الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من الشبهات التي يثيرها الطاعنون في الفقه الإسلامي – قديمًا وحديثًا – شبهة زعمهم أن فقهاء أهل السنة يبيحون إتيان المحارم إذا كانوا من ملك اليمين، مستدلين ببعض النقول المبتورة من كتب الفقه، وعلى رأسها ما نُقل عن الإمام ابن حزم في كتابه المحلى. وتُعرض هذه الشبهة عادةً في صورة صادمة، توهم القارئ أن الإسلام أباح ما حرمه الله تحريمًا قاطعًا، وأن الخلاف الفقهي في هذه المسألة هو خلاف في أصل الجواز، لا في توصيف الجريمة أو نوع العقوبة.
غير أن هذه الشبهة مبنية على الخلط المتعمد بين تقرير الأقوال الفقهية ونقل الخلاف، وبين القول بالجواز، كما أنها تتجاهل النصوص القطعية في تحريم نكاح المحارم، وتتغافل عن أن جميع من نُقلت عنهم هذه الأقوال متفقون على التحريم، وإنما وقع الخلاف بينهم في تكييف الفعل: هل هو زنى محض يوجب الحد؟ أم وطء بشبهة يدرأ الحد ويستوجب التعزير؟ أم جريمة عظيمة توجب القتل؟
ويهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الشبهة تفكيكًا علميًا، من خلال بيان منهج ابن حزم في المحلى، وشرح أقوال الأئمة التي نُقلت في المسألة، وبيان أن لا أحد من أهل السنة قال بإباحة إتيان المحارم مطلقًا، لا بعقد ولا بملك يمين، وإنما هي مسألة خلافية في باب الحدود، لا في باب الحلال والحرام. كما يسلط المقال الضوء على التناقض الصارخ عند الشيعة الإمامية، حيث توجد في كتبهم نصوص صريحة تجيز الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وهو ما لم يقل به أحد من أهل السنة.
جاء في كتاب المحلى لابن حزم كتاب الحدود مسألة الزنى:
أَنَّ مَالِكًا فَرَّقَ بَيْنَ الْوَطْءِ فِي ذَلِكَ بِعَقْدِ النِّكَاحِ، وَبَيْنَ الْوَطْءِ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَقَالَ:
فِيمَنْ مَلَكَ بِنْتَ أَخِيهِ، أَوْ بِنْتَ أُخْتِهِ، وَعَمَّتِهِ، وَخَالَتِهِ، وَأمرأَةَ أَبِيهِ، وَأمرأَةَ ابْنِهِ بِالْوِلَادَةِ، وَأُمَّهُ نَفْسِهِ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَابْنَتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ، وَأُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَهُوَ عَارِفٌ بِتَحْرِيمِهِنَّ، وَعَارِفٌ بِقَرَابَتِهِنَّ مِنْهُ ثُمَّ وَطِئَهُنَّ كُلَّهُنَّ عَالِمًا بِمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُعَاقَبُ.
وَرَأَى: أن مِلْكَ أُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ، وَابْنَتِهِ، وَأُخْتِهِ، بِأَنَّهُنَّ حَرَائِرُ سَاعَةَ يَمْلِكُهُنَّ، فَإِنْ وَطِئَهُنَّ حُدَّ حَدَّ الزِّنَى.
وَقَالَ أبو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ:
وَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ تَزَوَّجَ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ، وَابْنَتَهُ، وَأُخْتَه، وَجَدَّتَهُ، وَعَمَّتَهُ، وَخَالَتَهُ، وَبِنْتَ أَخِيهِ، وَبِنْتَ أُخْتِهِ - عَالِمًا بِقَرَابَتِهِنَّ مِنْهُ، عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِنَّ عَلَيْهِ، وَوَطِئَهُنَّ كُلَّهُنَّ: فَالْوَلَدُ لَاحِقٌ بِهِ، وَالْمَهْرُ وَاجِبٌ لَهُنَّ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ إلا التَّعْزِيرُ دُونَ الْأَرْبَعِينَ فَقَطْ - وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَا: فَإِنْ وَطِئَهُنَّ بِغَيْرِ عَقْدِ نِكَاحٍ فَهُوَ زِنًى، عَلَيْهِ مَا عَلَى الزَّانِي مِنْ الْحَدِّ
الرد:
المحلى طبعة مصححة ومقابلة على عدة مخطوطات ونسخ معتمدة كما قوبلت على النسخة التي حققها الاستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر تحقيق لجنة احياء التراث العربي في دار الافاق الجديدة منشورات دار الافاق الجديدة بيروت
قال ابن حزم في 11/252:
مسالة2215:ومن وطئ أمرأة أبيه أو حريمته، بعقد زواج أو بغير عقد...الخ
اقول وبالله التوفيق والسداد:
نلاحظ أن ابن حزم قد ذكر روايات ثلاث باسانيدها وساذكر رايه بكل رواية بعد أن اذكرها أن شاء الله تعالى:
الرواية الاولى:
"بعثني إلى رجل تزوج أمراءة ابيه فأمرني أن اضرب عنقه" قال أبو محمد رحمه الله: وهذا الخبر من طريق الرقين صحيح نقي الإسناد.
هذا حكم ابن حزم على الرواية الاولى إلا إنهم قال اما من طرق هشيم فليست بشيء لان اشعث بن سوار ضعيف.
فهذا حكم الرواية عند ابن حزم.
الرواية الثانية:
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث اباه) أي جد معاوية بن قرة راوي الحديث (إلى رجل اعرس بأمراءة ابيه فضرب عنقه وخمس ماله " بين ابن حزم صحته ومن اراد الاستزادة فاليراجعه في موضعه وقد اشرت اليه بداية الرد.
الرواية الثالثة:
عن البراء قال "مر بنا ناس ينطلقون قلنا: اين تريدون؟ قالوا: بعثنا رسول الله صلى الله عليه واله وسلم إلى رجل أتى أمراءة ابيه أن نضرب عنقه "
قال أبو محمد رحمه الله: هذه آثار صحاح تجب بها الحجة ولا يضرها أن يكون عدي بن ثابت حدث به مرة عن البراء ومرة عن يزيد بن البراء عن أبيه فقد يسمعه من البراء ويسمعه من يزيد بن البراء فيحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا..
الان لاحظنا أن ابن حزم قد صحح تلك الروايات ثم ذكر بعد ذلك الكلام الذي ذكره السائل عن مالك وغيره.
ونظرا لطول الكلام فلن اذكره كاملا وانما ساشرح ماذكره ابن حزم ومن اراد الاستزادة فاليراجع المسالة كاملة.
فاقول:
ذكر ابن حزم أن العلماء في هذه المسالة اختلفوا على اقوال على النحو الاتي:
القول الاول:
إنه من تزوج امه او ابنته او حريمته او زنى بوأحدة منهن فكل ذلك سواء، وهو كله زنى، والزواج (كلا) زواج إذا كان عالما بالتحريم، وعليه حد الزنى كاملا، ولا يلحق الولد في العقد.
ملاحظة:
اقول ما بين المعكوفين لعله خطا والمراد أن الزواج في هذه الصور كعدمه والله اعلم.
وهو قول كل من: الحسن ومالك والشافعي وابي ثور وابي يوسف ومحمد بن الحسن.
الا أن مالكا هنا فصل وبتفصيله هذا الذي ذكر عد قولا ثانيا وفرق بين أمرين وهما:
القول الثاني:
فرق بين الوطء في ذلك (أي في القول السابق) بعقد النكاح وبين الوطء في بعض(لاحظ إنه قال بعض) ذلك بملك اليمين، فقال: فيمن ملك بنت أخيه، أو بنت أخته، وعمته، وخالته، وأمرأة أبيه، وأمرأة ابنه بالولادة، وأمه نفسه من الرضاعة، وابنته من الرضاعة، وأخته من الرضاعة وهو عارف بتحريمهن، وعارف بقرابتهن منه ثم وطئهن كلهن عالما بما عليه في ذلك، فإن الولد لاحق به، ولا حد عليه، لكن يعاقب.
ورأى: أن ملك أمه التي ولدته، وابنته، وأخته، بأنهن حرائر ساعة يملكهن، فإن وطئهن حد حد الزنى
القول الثالث:
قال ابوحنيفة:
لا حد عليه في ذلك كله، ولا حد على من تزوج أمه التي ولدته، وابنته، وأخته، وجدته، وعمته، وخالته، وبنت أخيه، وبنت أخته عالما بقرابتهن منه، عالما بتحريمهن عليه، ووطئهن كلهن: فالولد لاحق به، والمهر واجب لهن عليه، وليس عليه إلا التعزير دون الأربعين فقط وهو قول سفيان الثوري قالا: فإن وطئهن بغير عقد نكاح فهو زنى، عليه ما على الزاني من الحد.
ملاحظة مهمة عن الحنفية لابد من بيانها:
يفرقون رحمهم الله بين العقد الباطل والعقد الفاسد والجمهور يخالفونهم في ذلك فقالوا أن الباطل هو الفاسد من العقود إلا اللهم في الحج.
وهذا يجرنا لمسالة ترتب الاثار الشرعية على الباطل والفاسد من العقود(إلا الحج فقد اتفقوا عليه) فالجمهور قالوا بعدم ترتب أي من الاثار والحنفية قالوا بترتب اثار عليه والصحيح عند البحث أن الجميع قالوا بترتب بعض الاثار حتى الجمهور بالرغم من قولهم بالعدم والله تعالى اعلم.
ملاحظة اخرى عند الحنفية وهي:
قاعدة مشهورة تقول اما المهر واما الحد فلا يجتمعان أي أن الرجل أن اعطى مهرا او وجب عليه في ذمته فلا حد عليه ولهذا نجد أن أبا حنيفة قال هنا بعدم الحد على تلك الصور في العقد وفي غيرها إنه وطء لشبهة فلا حد عليه لقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم " ادرؤوا الحدود بالشبهات ". والوطء بشبهة شبهة فلا حد.
وعن سعيد بن المسيب إنه قال في من زنى بذات محرم: إنه يرجم على كل حال وأيضًا عن النخعي والحسن أن حده حد الزنى.
القول الرابع:
عن أحمد واسحاق وهو:
كل من وطئ حريمته عالما بالتحرم عالما بقرابتها منه، فسواء وطئها باسم نكاح، أو بملك يمين، أو بغير ذلك، فإنه يقتل ولا بد محصنا كان أو غير محصن. أه.
بعد ذلك اخذ ابن حزم كعادته يبين الراجح من المرجوح في نظره وساذكر رايه بشي من التفصيل:
اقول:
يرى ابن حزم التفصيل حيث يرى أن الام وزوجة الاب حكم من وطئها هو القتل وتخميس ماله والباقي من المال ينظر في المقتول بعد قتله فان كان مسلما فلورثه والا فلا حيث قال:
إن من وقع على أمرأة أبيه بعقد أو بغير عقد أو عقد عليها باسم نكاح وإن لم يدخل بها فإنه يقتل ولا بد محصنا كان أو غير محصن ويخمس ماله، وسواء أمه كانت أو غير أمه، دخل بها أبوه أو لم يدخل بها.
اما غير الام وزوجة الام من المحارم فيرى:
وأما من وقع على غير أمرأة أبيه من سائر ذوات محارمه - كأمه التي ولدته من زنى أو بعقد باسم نكاح فاسد مع أبيه - فهي أمه وليست أمرأة أبيه، أو أخته، أو ابنته، أو عمته، أو خالته أو وأحدة من ذوات محارمه بصهر، أو رضاع فسواء كان ذلك بعقد أو بغير عقد: هو زان، وعليه الحد فقط، وإن أحصن عليه الجلد والرجم كسائر الأجنبيات لإنه زنى، وأما الجاهل في كل ذلك فلا شيء عليه. أ،ه.
بعد كل ذلك اقول لك اخي الحبيب لاحظ الاتي:
أن كل الاقول اجتمعت على عدم الجواز واختلفوا في الحد أم التعزير في جميع من ذكر وهذا ظاهر في عباراتهم رحمهم الله.
تذكر اخي الحبيب رمتني بدائها وانسلت!!
اما الرافضة فقد اجاز الخميني وغيره الجمع بين المراءة وعمتها وخالتها!!
واليك المصادر:
1- المقنعة للمفيد حيث عقد بابا اسمه: باب نكاح المراءة وعمتها وخالتها وما يجوز من ذلك وما لايجوز.صفحة 504.
2- المسائل الصاغانية تحقيق السيد محمد القاضي صفحة 14، وأيضًا صفحة 78 وكيف إنه قاتل على اثباتها عليه من الله ما يستحق.
3- الخلاف طبعة جديدة للطوسي ج4 ص 296 مسالة 64.
4- المبسوط للطوسي ج4ص196، 205
5- الجامع للشرائع ليحي بن سعيد الحلي تحقيق لجنة التحقيق باشراف الشيخ السبحاني صفحة 42
6- تهذيب الاحكام للطوسي ج7ص332.
7- بحار الانوار ج101ص25 باب الجمع بين الاختين وبين المرأة وعمتها وخالتها...
هذه سبع مصادر في المسالة عندهم ولو اطلع عليها أحد لعلم مدى التناقض الخطير الكبير عندهم فالله المستعان.
هذا ماعندي والله تعالى اعلم واحكم وصلى الله وسلم على محمد وعلى اله وصحبه ومن تعبد