ردٌّ على الشبهة الرافضية وبيان التدرج التشريعي في الإسلام

كثرت في الآونة الأخيرة الشبهات التي يثيرها أتباع الفرقة الرافضية حول بعض الأحكام الشرعية الثابتة في الإسلام، ومن أبرزها شبهة نكاح المتعة، حيث يزعمون إن الله تعالى لا يمكن إن يُبيح شيئًا ثم يحرمه، ويجعلون من ذلك مطعنًا في التشريع الإسلامي، متكئين على روايات باطلة أو مؤولة توظيفًا يخدم أصولهم المنحرفة.

ولا يخفى على الباحث المنصف إن هذه الشبهة إنما هي امتداد لمنهج الرافضة في وضع الأحاديث أو تحريف دلالاتها من أجل تثبيت مذهبهم، الذي خالف به إجماع المسلمين من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام. كما إن هذا الطعن يكشف جهلًا واضحًا بقواعد التشريع، وبسنة الله في التدرج واعتبار الضرورة، وهي أصول مقررة في الكتاب والسنة، وعليها انعقد إجماع الأمة.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال؛ لبيان بطلان هذه الشبهة من أصلها، وبيان إن إباحة المتعة كانت إباحة مؤقتة للضرورة، ثم حرمت إلى يوم القيامة، كما وقع نظير ذلك في الخمر وغيرها من الأحكام، مع إلزام الرافضة بما في كتبهم من الروايات التي تقرر هذا الأصل التشريعي نفسه.

 

لقد بينا إن المتعة قد أحلت في عام أوطاس للضرورة في مدة قصيرة، فسمعت بعض الرافضة يقول كيف تكون المتعة شيئا محرما ويبيحه الله.

اقول لقد شرع الله تعالى اكل الميتة للمضطر، قال تعالى: ﴿إنما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أهل بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثم عَلَيْهِ إن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[البقرة:173] فما اباحه الله تعالى من المحرم للضرورة لا يتنافى مع خبثه تأصيلا، وبما إن الله تعالى قد جعل حكم اكل المحرمات المذكورة في الآية على الدوام، فإننا نقول به، وبما إن الله تعالى قد حرم المتعة إلى يوم القيامة ولم يجعل اباحتها للضرورة إلا في وقت معين، فإننا نمتثل للشرع الالهي، وتحريم الخمر في الإسلام بعد إن كانت مباحة من هذا الباب، فقد كانت الخمرة مباحة، ولا إثم على شاربها حتى حدث التدرج في تحريمها، قال تعالى: ﴿يَسألونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثم كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإثمهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسألونَكَ مَإذا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ [ البقرة:219]

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إنما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [المائدة:90].

قال الطوسي:

 " عَنْهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ ع وصَفْوإن وفَضَالَةَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أبي جَعْفَرٍ ع فِي رَجُلٍ تَرَكَ غُلَاماً لَهُ فِي كَرْمٍ لَهُ يَبِيعُهُ عِنَباً أو عَصِيراً فَانْطَلَقَ الْغُلَامُ فَعَصَرَهُ خَمْراً ثُمَّ بَاعَهُ قَالَ لَا يَصْلُحُ ثَمَنُهُ ثُمَّ قَالَ إن رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ ص رَاوِيَتَيْنِ مِنْ خَمْرٍ بَعْدَ مَا حُرِّمَتْ فأمر بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَأُهَرِيقَتَا وقَالَ إن الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا قَدْ حَرَّمَ ثَمَنَهَا ثُمَّ قَالَ أبو عَبْدِ اللَّهِ ع إن أَفْضَلَ خِصَالِ هَذِهِ الَّتِي بَاعَهَا الْغُلَامُ إن يُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا "

تهذيب الأحكام - الطوسي- ج 7 ص 136 - ص 137

وقال حسين المنتظري:

" ما في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إن رجلا من ثقيف أهدى إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راويتين من خمر فأمر بهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأهريقتا وقال: إن الذي حرم شربها حرم ثمنها. " وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن ثمن الخمر، قال: أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) راوية خمر بعد ما حرمت الخمر فأمر بها إن تباع، فلما إن مر بها الذي يبيعها ناداه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من خلفه: يا صاحب الراوية، إن الذي حرم شربها فقد حرم ثمنها، فأمر بها فصبت في الصعيد... " يستشعر من الروايتين وجود الملازمة بين حرمة شرب الشيء وفساد بيعه ولا يمكن الإلتزام بذلك. والجواب إن الخمر كانت مما يعتاد شربها وكان بيعها في تلك الأعصار لذلك لا محالة فتصح الملازمة "

دراسات في المكاسب المحرمة – حسين المنتظري – جزء 1 ص 201 – 202

فمن المعلوم إن الشيء قبل نزول تحريمه لا تترتب عليه أي عقوبة، أو نهي، وإن العبد مخير بين فعله وتركه، وهذا هو عين المباح.

ذكر الشبهة:

الشبهة:
يقول بعض الرافضة: كيف تكون المتعة محرمة، وقد أباحها الله سابقًا؟ وهل يُعقل إن يُبيح الله تعالى شيئًا ثم يحرمه؟

الرد على الشبهة

هذه الشبهة باطلة من وجوه متعددة:

أولا: التفريق بين الإباحة المؤقتة والتحريم التأصيلي

إباحة المتعة في عام أوطاس لم تكن إباحة مطلقة، وإنما إباحة للضرورة وفي زمن محدد، ثم جاء النص الصريح بتحريمها إلى يوم القيامة. وهذا لا ينافي حكمة التشريع، بل هو عين الحكمة.

وقد قرر الله تعالى هذا الأصل في المحرمات، فقال:

﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إثم عَلَيْهِ [البقرة: 173]

فإباحة الميتة للمضطر لا ترفع عنها وصف الخبث، وإنما ترفع الإثم للضرورة، وكذلك المتعة.

ثانيًا: التدرج التشريعي سنة إلهية ثابتة

تحريم الخمر مثال واضح لا ينكره أحد، فقد كانت مباحة، ثم جاء التدرج في تحريمها حتى حُرمت تحريمًا قاطعًا، ومع ذلك لم يقل أحد من المسلمين إن هذا تناقض في التشريع.

وقد مر تحريم الخمر بثلاث مراحل:

بيان وجود الإثم.

النهي عن قربان الصلاة حال السكر.

التحريم القاطع والاجتناب.

فإذا جاز ذلك في الخمر، جاز في غيرها من باب أولى.

ثالثًا: إقرار الشيعة أنفسهم بهذا الأصل

الروايات المنقولة عن أئمتهم – كما في تهذيب الأحكام للطوسي تقرر أن:

ما كان مباحًا قبل التحريم لا إثم فيه.

وإن تحريم الشيء يستلزم تحريم ثمنه بعد نزول الحكم.

وكلام حسين المنتظري صريح في أن:

«الخمر كانت مما يعتاد شربها وكان بيعها في تلك الأعصار»

وهذا اعتراف واضح بأن الحكم قبل التحريم هو الإباحة، وهو عين ما نقوله في المتعة.

رابعًا: قاعدة أصولية متفق عليها

الشيء قبل ورود التحريم مباح، لا عقوبة فيه ولا نهي، والعبد مخير بين فعله وتركه، وهذا هو تعريف المباح عند الأصوليين، ولا خلاف فيه بين المسلمين.