لفظ الشيعة في القرآن والسنة: الدلالة اللغوية وحقيقة الاصطلاح

كثُر استدلال الشيعة بلفظ الشيعة الوارد في القرآن الكريم والسنة النبوية، زاعمين أن في ذلك تزكيةً لمذهبهم، أو دلالةً على شرعيته وامتداده في النصوص الشرعية. غير أن هذا الاستدلال قائم على الخلط بين المعنى اللغوي العام للفظ، وبين الاصطلاح العقدي المحدث الذي لم يظهر إلا بعد الفتنة، وتكوّن الفرق، وظهور الغلو في الأشخاص.

فلفظ الشيعة في لسان العرب، وفي نصوص الوحي، لا يدل بذاته على مذهب مخصوص، ولا على عقيدة الإمامة، ولا على العصمة، ولا على حصر الدين في رجال معينين، وإنما يُستعمل للدلالة على الأتباع، أو الفرق، أو الطوائف، وغالبًا ما يَرِد في سياق الذم والتحذير من التفرق والاختلاف.

ويهدف هذا المقال إلى بيان المعنى الصحيح للفظ الشيعة في القرآن والسنة، من خلال النصوص الشرعية وأقوال أئمة التفسير واللغة، وبيان بطلان دعوى الاحتجاج به على المذهب الشيعي الاصطلاحي، الذي هو فرقة ضالّة حادثة لا تمتّ إلى مدلول اللفظ الشرعي بصلة.

لفظ الشيعة من السنة:

ورد لفظ الشيعة في السنة المطهرة بمعنى الأتباع..

كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في ذو الخويصرة. الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "لم أرك عدلت.." قال فيه عليه الصلاة والسلام: "سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه"..

الحديث (مسند أحمد: 12/3-5)

وكذلك في الحديث الذي أخرجه أبو داود في المكذبين بالقدر.. وفيه: "وهم شيعة الدجال"

(سنن أبي داود 5/67، فال المنذري: وفي إسناده عمر مولى غفرة لا يحتج بحديثه، ورجل من الأنصار مجهول (المنذري) مختصر أبي داود 6/61، ورواه أيضاً الإمام أحمد 5/407).

فالشيعة هنا مرادفة للفظ الأصحاب، والأتباع، والأنصار.

لفظ الشيعة من القرآن:

ومادة شيع وردت في كتاب الله العظيم في اثني عشر موضعاً (المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص 18)

وقد أجمل ابن الجوزي معانيها بقوله:

وذكر أهل التفسير أن الشيع في القرآن على أربعة أوجه:

أحدها: الفرق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ.

 وقوله: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا.

 وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا.

والثاني: الأهل والنسب، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ. أراد من أهله في النسب إلى بني إسرائيل.

والثالث: أهل الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ.

 وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ.

 وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم.

وقوله: ﴿إِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ.

والرابع: الأهواء المختلفة، قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً"

نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي 376-377

وزاد الدامغاني وجهاً خامساً وهو:

 الشيع والإشاعة، واستشهد لهذا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا يعني أن تفشو الفاحشة، كما أن ابن الجوزي ذكر في الوجه الثاني أن من معاني الشيع الأهل والنسب، واستشهد لها بقوله سبحانه: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ، بينما نجد الدامغاني ذكر أن من معاني الشيعة: الجيش، واستدل لذلك بنفس الآية.

 وقد اتفقا فيما سوى ذلك من معاني التشيع.

(انظر: الدامغاني / قاموس القرآن ص 271، تحقيق عبد العزيز الأهل)

ويشير ابن القيم - رحمه الله - في نص مهم له إلى أن لفظ الشيعة والأشياع غالباً ما يستعمل في الذم، ويقول: ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا.

 وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا.

وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ.

 ويعلل ابن القيم لذلك بقوله:

 "وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع، والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم"

(بدائع الفوائد: 1/155).