يُظْهِرُ تَارِيخُ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ تَطَوُّرًا مُسْتَمِرًّا فِيْ عَقَائِدِهِمْ، حَيْثُ كَانَ الْتَّشِيعُ فِيْ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ – كَمَا فِيْ "الْحُورِ الْعَيْنِ" لِنَشْوَانِ الْحَمْيَرِيِّ (ص179) وَ"الْمُنْيَةِ وَالْأَمَلِ" لِابْنِ الْمُرْتَضَى (ص81) – يَقْصُرُ عَلَى تَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ فَحَسْبُ، وَهُمْ شِيعِيُّونَ وَعُثْمَانِيُّونَ، وَلَمْ يَكُونُوا ضَلَّالَةً بَلْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لِعَدَمِ خُرُوجِهِمْ عَنِ الْأُصُولِ (كَمَا فِيْ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ 3/153 وَفَتْحِ الْبَارِي 7/34)، إِذْ اخْتَلَفَ بَعْضُ السُّنَّةِ فِيْ تَرْتِيبِ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. أَمَّا الشِّيعَةُ الْأَوَّلُونَ فَكَانُوا يُفَضِّلُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَمَا رَوَى ابْنُ تَيْمِيَّةُ فِيْ "مِنْهَاجِ السُّنَّةِ" (2/60)، وَمَنَعَ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِطْلاقَ "شِيعِيٍّ" عَلَى مَنْ يُقَدِّمُ عَلِيًّا عَلَيْهِمَا لِمُخَالَفَتِهِ نَصَّ عَلِيٍّ الْمُتَوَاتِرِ "خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ" (مِنْهَاجِ السُّنَّةِ 1/7-8 وَ4/137). هَذِهِ الْمَرَاحِلُ تُفَضْحُ ضَلَالَ الرَّافِضَةِ الْمُعَاصِرِينَ الَّذِينَ انْحَرَفُوا عَنْ مَعْهَدِ السَّلَفِ الصَّالِحِ إِلَىْ تَرْتِيبِ خَلَافَةٍ مُفْتَرَى وَلَعْنِ الصَّحَابَةِ، مُحَوِّلِينَ "الشِّيعَةَ" إِلَىْ فِرْقَةٍ ضَالَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ.
تعريف الشيعة مرتبط أساساً بأطوار نشأتهم، ومراحل التطور العقدي لهم، ذلك أن الملحوظ أن عقائد الشيعة وأفكارها في تغير وتطور مستمر؛ فالتشيع في العصر الأول غير التشيع فيما بعده، ولهذا كان في الصدر الأول لا يسمى شيعياً إلا من قدّم علياً على عثمان، ولذلك قيل: شيعي وعثماني، فالشيعي من قدم علياً على عثمان، والعثماني: من قدّم عثمان على علي.....
(نشوان الحميري/ الحور العين ص: 179، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: 81).
فعلى هذا يكون التعريف للشيعة في الصدر الأول:
أنهم الذين يقدمون علياً على عثمان فقط (وهم وإن سموا بالشيعة فهم من أهل السنة؛ لأن مسألة عثمان وعلي... ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها، لكن المسألة التي يضلل فيها مسألة الخلافة.. وقد كان بعض أهل السنة اختلفوا في عثمان وعلي - رضي الله عنهما - بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر - أيهما أفضل -: فقدم قوم عثمان، وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم علياً، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان.
انظر: مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/153، ابن حجر/ فتح الباري: 7/34).
ولهذا ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن:
الشيعة الأولى كانوا على عهد علي كانوا يفضلون أبا بكر وعمر (منهاج السنة: 2/60 (تحقيق د. محمد رشاد سالم)). وقد منع شريك بن عبد الله - وهو ممن يوصف بالتشيع - إطلاق اسم التشيع على من يفضل علياً على أبي بكر وعمر؛ وذلك لمخالفته لما تواتر عن علي في ذلك، والتشيع يعني المناصرة والمتابعة لا المخالفة والمنابذة.
شريك بن عبد الله حينما سأله سائل:
أيهما أفضل أبو بكر أو علي؟ فقال له: أبو بكر.
فقال السائل: تقول هذا وأنت شيعي! فقال له: نعم من لم يقل هذا فليس شيعياً، الله لقد رقي هذه الأعواد علي، فقال: ألا إن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر، فكيف نرد قوله، وكيف نكذبه؟ والله ما كان كذاباً (منهاج السنة: 1/7-8 تحقيق د. محمد رشاد السالم، وانظر: عبد الجبار الهمداني/ تثبيت دلائل النبوة: 1/63.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهاً أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ورواه البخاري وغيره.
انظر: منهاج السنة: 4/137).