يعمد الشيعة كثيرًا إلى الاحتجاج بالأصل اللغوي للفظ الشيعة، محاولين الإيحاء بأن مذهبهم امتدادٌ طبيعي للمعنى العربي الأصيل، وأن مجرد ورود هذا اللفظ في كلام العرب أو استعماله في اللغة يدل على سلامة معتقدهم وصحته. غير أن هذا المسلك في الاستدلال مغالطة ظاهرة، تقوم على الخلط بين الدلالة اللغوية العامة، وبين الاصطلاح العقدي المحدث الذي نشأ بعد القرون المفضلة، وتكوّن على أساس الغلو، والابتداع، ومخالفة أصول الدين.
فاللغة العربية، كما قرر أئمتها، تُثبت أن لفظ الشيعة يدور على معنى المتابعة، والمناصرة، والموافقة في الرأي، والاجتماع على الأمر، دون أن يحمل في ذاته أي تزكية دينية، أو دلالة عقدية مخصوصة. ثم إن غلبة هذا الاسم على فرقة بعينها إنما هو غلبة اصطلاحية حادثة، لا علاقة لها بحقيقة اللفظ في لسان العرب، ولا تصلح بحال أن تكون دليلًا على صحة المذهب أو سلامة المنهج.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في بيان المعنى اللغوي الدقيق للشيعة والتشيع والمشايعة، كما قرره أئمة اللغة، وبيان أن انتقال اللفظ من معناه العام إلى اصطلاح طائفي مبتدع لا يغيّر من حقيقة الانحراف العقدي شيئًا، ولا يرفع عن التشيع وصمة الضلال.
تعد مادة (شيع) في لسان العرب من المواد الثرية بالدلالات التي تعكس طبيعة التكتل والتبعية؛ فالتشيع في أصله اللغوي لا يخرج عن مدار المتابعة، والمناصرة، والممالأة على الأمر. وقد استفاض أئمة اللغة كابن دريد والأزهري وابن منظور في بيان أن "الشيعة" هم الأنصار الذين يجتمعون على رأي واحد ويشايعون صاحبهم أي يعينونه ويقوونه. إلا أن هذا المصطلح اللغوي العام ما لبث أن انتقل من سعة اللغة إلى ضيق الاصطلاح، ليصبح علماً على فرقة فارقت جماعة المسلمين، واتخذت من موالاة علي رضي الله عنه وأهل بيته -بمفهومهم الخاص- منهجاً تفرع عنه من البدع والضلالات ما أخرج غلاتهم عن جادة الصواب، بل ووصل ببعضهم إلى الانحراف العقدي الكامل والزندقة كما قرر ذلك كبار اللغويين والمؤرخين.
يقول ابن دريد (المتوفى سنة 321هـ):
"فلان من شيعة فلان أي: ممن يرى رأيه، وشيعت الرجل على الأمر تشييعاً إذا أعنته عليه، وشايعت الرجل على الأمر مشايعة وشياعاً إذا مالأته عليه"
(ابن دريد/ جمهرة اللغة: 3/63).
وقال الأزهري (المتوفى سنة 370هـ):
"والشيعة أنصار الرجل وأتباعه وكل قوم اجتمعوا على أمرهم شيعة. والجماعة شيع وأشياع، والشيعة: قوم يهوون هوى عترة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ويوالونهم.
وشيّعت النار تشييعاً إذا لقيت عليها ما تذكيها به، ويقال: شيعت فلاناً أي: خرجت معه لأودعه، ويقال: شيعنا شهر رمضان بست من شوال أي: أتبعناه بها..
وتقول العرب: آتيك غداً، أو شَيعَهُ أي: اليوم الذي يتبعه، والشيعة التي يتبع بعضهم بعضاً، والشيع الفرق الذي يتبع بعضهم بعضاً وليس كلهم متفقين"
(الأزهري/ تهذيب اللغة: 3/61).
وقال الجوهري (المتوفى سنة 40هـ):
"تشيّع الرجل أي: ادعى دعوى الشيعة، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شِيَع قال ذو الرُّمة: استحدث الركب عن أشياعهم خبراً.
(ديوان ذي الرمة ص: 4).
يعني عن أصحابهم" (الصحاح: 3/1240، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار).
وقال ابن منظور (المتوفى سنة 711هـ):
"والشيعة أتباع الرجل وأنصاره، وجمعها شِيَعٌ، وأشياع جمع الجمع، وأصل الشيعة: الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكور والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته، حتى صار لهم اسماً خاصاً، فإذا قيل: فلان من الشيعة عرف إنه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا أي: عندهم، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة.
والشيعة:
قوم يرون رأي غيرهم، وتشايع القوم صاروا شيعاً، وشيّع الرجل إذا ادعى دعوى الشّيعة، وشايعه شياعاً وشيّعه تابعه، ويقال: فلان يشايعه على ذلك أي: يقويه"
(لسان العرب: مادة: شيع).
وقال الزبيدي (المتوفى سنة 1205هـ):
"كل من عاون إنساناً وتحزب له فهو له شيعة، وأصل الشيعة من المشايعة وهي المتابعة، وقيل: عين الشيعة واو من شوع قومه إذا جمعهم. وقد غلب هذا الاسم (الشيعة) على كل من يتولى علياً وأهل بيته.. وهم أمة لا يحصون، مبتدعة، وغلاتهم الإمامية المنتظرية يسبون الشيخين، وغلاة غلاتهم يكفرون الشيخين، ومنهم من يرتقي إلى الزندقة"
(تاج العروس: 5/405، وانظر من كتب اللغة (مادة شاع): القاموس: 3/47، البستاني/ قطر المحيط: 1/1100، وانظر: الطريحي/ مجمع البحرين: 4/355).
فالشيعة، والتشيع، والمشايعة في اللغة تدور حول معنى المتابعة، والمناصرة، والموافقة بالرأي، والاجتماع على الأمر، أو الممالأة عليه.