الحمد لله الذي تفرد بالخلق والتدبير، وعزَّ سلطانه عن الشريك والنظير، والصلاة والسلام على من هدى للحق وبشر بالمنهج المستنير.

أما بعد: فإن قضية "أفعال العباد" وعلاقتها بالقدرة الإلهية تعد من المفاصل العقدية التي تباينت فيها المناهج، وظلت فيها أقدام الفرق المنحرفة عن جادة أهل السنة والجماعة. وفي هذا المقال، نسلط الضوء على آراء وأقوال منظري "فرقة الشيعة" في مسألة القضاء والقدر، وكيف تدرج خطابهم من محاولة التوفيق اللفظي إلى التصريح بعقيدة المعتزلة الصريحة التي تجعل العبد خالقاً مع الله. نستعرض من خلال النصوص الموثقة من أمهات كتبهم كـ "عقائد الصدوق" و"أوائل المقالات"، كيف تخلت هذه الفرقة الضالة عن عموم مشيئة الله وخلقه لكل شيء، لتسقط في فخ القول بتعدد الخالقين، ضاربين عرض الحائط بالأدلة النقلية والعقلية التي توجب إفراد الله تعالى بالخلق والإيجاد.

فالإيمان بالقضاء والقدر أحد أعظم أصول العقيدة، وأدقّ مسائل التوحيد؛ إذ يتعلّق بعلم الله الأزلي، ومشيئته النافذة، وقدرته الشاملة، وخلقه لكل شيء سبحانه وتعالى. وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن الله تعالى خالق العباد وخالق أفعالهم، مع إثبات الاختيار للعبد على وجه لا يخرج عن مشيئة الله وقدره، جمعًا بين النصوص الشرعية دون إفراط ولا تفريط.

غير أنّ المتأمل في تراث الشيعة الإمامية يجد اضطرابًا واضحًا وتناقضًا بيّنًا في تقرير هذه المسألة، خصوصًا في خلق أفعال العباد؛ إذ تنوّعت أقوال علمائهم بين إثبات علم الله فقط دون مشيئته، ونفي خلق الله لأفعال العباد، بل والتصريح بأن العباد خالقون لأفعالهم على طريقة المعتزلة.

ويهدف هذا المقال إلى كشف حقيقة عقيدة الشيعة في القضاء والقدر من خلال نصوص صريحة من كتبهم المعتمدة، وبيان التناقض الداخلي بين متقدميهم ومتأخريهم، مع إظهار موافقتهم الصريحة لمذهب المعتزلة، ومخالفتهم لما عليه أهل السنة والجماعة من الإيمان الشامل بالقدر خيره وشره.

اقوال واعتقادات علماء الشيعة في القضاء والقدر:

ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق، يقول في عقائده التي سجلها على إنها تمثل عقائد الشيعة واشتهرت باسم عقائد الصدوق يقول: "اعتقادنا في أفعال العباد إنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك إنه لم يزل الله عالمًا بمقاديرها"

(عقائد الصدوق: ص75)

وهذا فيه إثبات علم الله عز وجل بأعمال العباد فقط لا إثبات عموم مشيئته سبحانه، وهو لا يقتضي أن الله خالق أفعال العباد، ومع ذلك فقد تعقبه شيخهم المفيد فقال: "الصحيح عن آل محمد صلى الله عليه وسلم أن أفعال العباد غير مخلوقة لله، والذي ذكره أبو جعفر قد جاء به حديث غير معمول به، ولا مرضي الإسناد، والأخبار الصحيحة بخلافه، وليس يعرف في لغة العرب أن العلم بالشيء هو خلق له"

(شرح عقائد الصدوق: ص12)

ثم قال: "وقد روي عن أبي الحسن إنه سئل عن أفعال العباد فقيل له: هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال عليه السلام: لو كان خالقًا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه: ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنما تبرأ من شركهم وقبائحهم"

(شرح عقائد الصدوق: ص13)

ويبدو في هذا الاستدلال الذي عزاه مفيدهم إلى الرضا التكلف الواضح، فبراءة الله عز وجل من المشركين لعدم رضاه سبحانه عن عملهم، ولا ينفي هذا قدرة الله سبحانه ومشيئته الشاملة النافذة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكُواْ. وجاء في رواياتهم ما ينقض هذا ويتفق مع الحق، حيث قالوا: "ما خلال الله فهو مخلوق، والله خالق كل شيء"

(الحر العاملي/ الفصول المهمة: ص35).

ثم أن المفيد يذهب إلى معنى أن العباد خالقون لأفعالهم، لكنه لا يستحسن هذا التعبير فيقول: "أقول: أن الخلق يفعلون، ويحدثون ويخترعون ويصنعون ويكتسبون، ولا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون ولا هم خالقون، ولا أتعدى ذكر ذلك فيما ذكره الله تعالى ولا أتجاوز به مواضعه من القرآن، وعلى هذا القول إجماع الإمامية والزيدية والبغداديين من المعتزلة وأكثر المرجئة وأصحاب الحديث، وخالف فيه البصريون من المعتزلة وأطلقوا على العباد إنهم خالقون فخرجوا بذلك عن إجماع المسلمين"

(أوائل المقالات: ص25).

فهو يلتزم - كما يزعم - منهج القرآن؛ لإنه سماهم فاعلين وعاملين ولم يسمهم خالقين، غير أن إجماع طائفته لم يستمر - أن كان قد حصل - إذ أن طائفة من شيوخهم سلكوا مسلك معتزلة البصرة في إطلاق لفظ "الخلق". والفرق اللفظي بينهم وبين معتزلة البصرة قد توارى فيما بعد على يد ثلة من أساطين المذهب.

فقد عقد شيخهم الحرّ العاملي (ت1104هـ‍) صاحب الشيعة في كتابه الذي يتحدث فيه عن أصول أئمته عقد بابًا بعنوان "باب أن الله سبحانه خالق كلّ شيء إلا أفعال العباد"

(الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: ص80.

 وقال: "أقول: مذهب الإماميّة والمعتزلة أن أفعال العباد صادرة عنهم وهم خالقون لها"

(الفصول المهمّة في أصول الأئمّة: ص81).

وكذلك قال شيخهم الطبطبائي:

 "ذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أن أفعال العباد وحركاتهم واقعة بقدرتهم واختيارهم فهم خالقون لها، وما في الآيات من إنه تعالى خالق كل شيء وأمثالها إما مخصص بما سوى أفعال العباد، أو مؤول بأن المعنى إنه خالق كل شيء إما بلا واسطة أو بواسطة مخلوقاته"

(مجالس الموحدين في بيان أصول الدين/ محمد صادق الطبطبائي ص21).

وقال القزويني:

"وأفعال العباد مخلوقة لهم" (قلائد الخرائد: ص60).

وغير هؤلاء كثير (مثل ابن المطهر الحلي في كتابه نهج المسترشدين: ص52.

 حيث قال: البحث الرابع:

 في خلق الأعمال، وقرر أن هذا مذهب طائفته ومذهب المعتزلة، ومثل ذلك صرح في كتابه "الباب الحادي عشر" (مع شرحه للمقداد) ص32، وكتابه: كشف المراد ص332، وكذلك شيخ الشيعة المجلسي صاحب البحار قال: "وذهبت الإمامية والمعتزلة إلى أن أفعال العباد وحركاتهم واقعة بقدرتهم واختيارهم فهم خالقون لها". (بحار الأنوار: 4/148)، والمقداد الحلي

 (انظر: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ص32-33))

خلاصة:

يعرض هذا المقال دراسة نقدية موثقة لعقيدة الشيعة الإمامية في مسألة القضاء والقدر، مع التركيز على موقفهم من خلق أفعال العباد، وذلك من خلال أقوال كبار علمائهم مثل: ابن بابويه القمي (الصدوق)، والشيخ المفيد، والحرّ العاملي، والطبطبائي، والمجلسي، وابن المطهر الحلي وغيرهم.