يُعدّ باب الخُمس من أكثر الأبواب الفقهية التي تكشف التحوّل العميق في المنهج الشيعي الإمامي، حيث انتقل الحكم من نص قرآني صريح محدود في غنائم الحرب إلى نظام مالي مركزي تُحصر فيه سلطة التصرف بيد الفقيه أو المرجع أو ما يُسمّى بالولي الحاكم.
فالقرآن الكريم لم يذكر الخُمس إلا في آية واحدة، وجاءت في سياقٍ حربيٍّ واضح، كما أقرّ بذلك كبار مفسري الشيعة المتقدمين، أمثال الطوسي والطبرسي والقطب الراوندي، الذين صرّحوا بأن الغنيمة هي ما أُخذ من أموال أهل الحرب من الكفار بقتال.
غير أن هذا الإقرار لم يمنع الفقه الشيعي المتأخر من تجاوز مدلول الآية، ثم الانتقال خطوةً أبعد، وهي حصر التصرف في جميع موارد الخُمس بيد الفقيه، لا سهم الإمام فحسب، بزعم الولاية العامة، وهو مسار لم يرد به نص قرآني، ولا ثبت بسنة نبوية، ولا عُرف في عصر النبي ﷺ ولا في عمل الصحابة.
ويُظهر هذا المقال – من خلال نصوص صريحة للمجلسي، والسبزواري، وصاحب الجواهر، ثم الخميني – كيف جرى التمهيد الفقهي لهذا التحوّل، حتى انتهى الخُمس إلى كونه بيت مال تحت ولاية الفقيه المطلقة، يتصرف فيه بحسب ما يراه من “المصالح”، في مخالفة واضحة لمفهوم التوزيع الشرعي المنصوص عليه في القرآن.
ولكن قبل ذلك نورد أقوالهم في حصر التصرف في جميع موارد الخمس في الفقيه وليس سهم الإمام فحسب، حيث مهدوا لهذا القول قبل قولهم بوجوب حصره في الفقيه أو المرجع أو الولي الحاكم (الولي الفقيه).
يقول المجلسي ملمحاً:
(وأكثر العلماء قد صرحوا بأن صاحب الخمس لو تولى دفع حصة الإمام عليه السلام لم تبرأ ذمته بل يجب عليه دفعها إلى الحاكم، وظني أن هذا الحكم جارٍ في جميع الخمس)[1].
ويقول السبزواري:
(الأحوط عندي صرف الجميع في الأصناف الموجودين بتولية الفقيه العدل الجامع لشرائط الإفتاء، وينبغي أن يراعى في ذلك البسط بحسب الإمكان ويكتفي بمقدار الحاجة ولا يزيد على مؤنة السنة، ويراعى الأعجز والأحوج والأرامل والضعفاء، والأولى أن يقسم النصف أقساماً ثلاثة يصرف كل ثلث في صنف من الأصناف الثلاثة. ونقل الشهيد الثاني إجماع القائلين بوجوب صرف حصة الإمام في الأصناف على أنه لو فرقه غير الحاكم، يعني: الفقيه العدل الإمامي، ضمن)[2].
ويقول الجواهري:
(لولا وحشة الانفراد عن ظاهر اتفاق الأصحاب لأمكن دعوى ظهور الأخبار في أن الخمس جميعه للإمام عليه السلام، وإن كان يجب عليه الاتفاق منه على الأصناف الثلاثة الذين هم عياله، ولذا لو زاد كان له عليه السلام، ولو نقص كان الاتمام عليه من نصيبه، وحللوا منه من أرادوا)[3].
ثم جاء الخميني وصرح قائلاً:
(وبالجملة من تدبر في مفاد الآية والروايات يظهر له أن الخمس بجميع سهامه من بيت المال، والوالي ولي التصرف فيه، ونظره متبع بحسب المصالح العامة للمسلمين، عليه إدارة معاش الطوائف الثلاث من السهم المقرر ارتزاقهم منه حسب ما يرى. كما أن أمر الزكوات بيده في عصره يجعل السهام في مصارفها حسب ما يرى من المصالح. هذا كله في السهمين. والظاهر أن الأنفال أيضاً لم تكن ملكاً لرسول الله والأئمة - صلوات الله عليهم أجمعين - بل لهم ملك التصرف، وبيانه يظهر مما تقدم)[4].
[1] نقله عن المجلسي في كتابه زاد المعاد: يوسف البحراني في الحدائق الناضرة (17/486)،والجواهري في جواهر الكلام (16/187).
[2] كفاية الأحكام، للسبزواري (1/222).
[3] جواهر الكلام، للجواهري (16/155)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/120).
[4] كتاب البيع، للخميني (2/662)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/118).