إلزامات للشيعة في الخمس (1)
يُعدّ موضوع الخُمس عند الشيعة الإمامية من أخطر أبواب الخلاف العقدي والفقهي، ليس بسبب أصل الحكم القرآني، وإنما بسبب التحولات الجذرية التي أُدخلت عليه عبر القرون، حتى أصبح أداة مالية مركزية تُدار باسم الإمام الغائب، ثم حُصرت عمليًا بيد الفقيه والمرجع، ثم الولي الفقيه، دون نص صريح من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ.
فالقرآن الكريم لم يذكر الخُمس إلا في سياقٍ واحدٍ واضح، وهو غنائم الحرب، وقد أقرّ كبار مفسري الشيعة المتقدمين بذلك صراحة، إلا أن المتأخرين لم يكتفوا بتوسيع مفهوم الغنيمة ليشمل أرباح المكاسب، بل انتقلوا إلى مرحلة أخطر، وهي إعادة تعريف الخُمس على أنه ميزانية خاصة لمقام الإمامة والحكومة، ثم زعموا أن الإمام الغائب راضٍ عن هذا التصرف، بل عن حصره بيد الفقيه دون سائر الناس.
ويكشف هذا المقال، من خلال نصوص شيعية صريحة، أن دعوى العلم برضا الإمام لم تكن إلا تمهيدًا نفسيًا وعاطفيًا، سرعان ما تراجعوا عنه عمليًا حين تعلق الأمر بتدفق الأموال، فاشترطوا الإذن، والاستجازة، والتقليد، ومنعوا أي تصرف في الخُمس ولو كان في أشد الضرورات إلا بإذن المرجع، مما يُظهر أن القضية في حقيقتها قضية سلطة ومال لا مجرد اجتهاد فقهي.
ومن منظور أهل السنة والجماعة، فإن هذا المسار يمثل انحرافًا منهجيًا خطيرًا، قائمًا على وضع روايات غير ثابتة، وتعطيل النص القرآني، وتحويل العبادة المالية إلى نظام مغلق يخدم طبقة دينية بعينها، وهو ما يميز الفرق الضالة التي غيّرت الدين باسم الدين.
الزامات للشيعة:
v إن الخمس ليس ملكاً شخصياً للإمام، إنما هو متعلق بمقام ومنصب الإمامة، ويمثل ميزانية خاصة بالحكومة تكون تحت تصرف الحاكم الإسلامي لينفقها حيث تقتضي المصلحة كتقوية الحكومة الإسلامية والنظام الإسلامي وحفظ مصالح الإسلام والمسلمين، أو نشر ثقافة الدين وفكره وتعاليمه، أو غير ذلك.
v يفيد ظاهر بعض الروايات بتقسيم الخمس إلى ستة أقسام، وتخصيص نصفه للأيتام والفقراء وأبناء السبيل من الهاشميين إلا أن التمعن في هذه الروايات يوصلنا إلى النتيجة التالية: إن جميع الخمس متعلق بالإمام، وليس الهاشميون إلا أوضح الموارد للصرف وذلك لورود ذكرهم في الآية الكريمة، ولإشارة الروايات إليهم. ويكون من واجب الحاكم الإسلامي أن يوفر لهم حاجاتهم من هذه الأموال.
إضافة إلى الأدلة المستقاة من الكتاب والسنة والعقل، يمكن الإفادة من القرائن والأدلة التالية في تأييد هذا الأمر:
v إن الشرع وحكمة التشريع يوجبان أن تكون مثل هذه الأموال الطائلة متعلقة بمقام الإمامة وليس شخص الإمام.
v أورد ثقة الإسلام الكليني كتاب الخمس في كتاب الحجة من أصول الكافي، ولم يورده في الكتب الفقهية، ويفهم من ذلك أن محدثاً وفقيهاً كبيراً كالكليني يرى أن الخمس من شؤون الحكومة والإمامة وأنه متعلق بمقام ومنصب الحاكم الإسلامي.
v لم يرد في التاريخ أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة رحمهم الله قد عزلوا صندوقاً خاصاً لسهم الهاشميين.
v يجمع الفقهاء على أن الفيء متعلق بالحكومة ويقع تحت تصرف القائد والحاكم الإسلامي، مع العلم أن آية الفيء ورد فيها ذكر ستة موارد للصرف كما هو شأن آية الخمس.
ففي الآيتين ذكرت الموارد الثلاثة الأولى محلاة باللام، والموارد الثلاثة الأخرى دون لام.
من هنا فإن وحدة السياق تقتضي أن يكون حكم الخمس هو حكم الفيء ذاته، وأنه متعلق بالحاكم الإسلامي.
v هناك روايات عديدة في باب الخمس تقضي بتحليله في زمن الغيبة، وقد حملها الفقهاء على التقية أو غير ذلك، وقال بعضهم: إن الأئمة قد أباحوا الخمس لشيعتهم؛ لاقتضاء المصلحة ذلك.
وإباحة الأئمة لهذه الحقوق دليل على تعلقها كلها بهم، وإلا فكيف يبيحون النصف المتعلق بالهاشميين؟!
v لو كان الخمس ملكاً شخصياً للإمام لكان أمير المؤمنين عليه السلام قد طالب بسهمه من غنائم المسلمين في مختلف الغزوات باعتباره سهم ذي القربى؛ لأن جميع المفسرين يعتقدون أن المراد بذي القربى هو الإمام، بينما لا نرى نحن في التاريخ حتى مورداً واحداً يشير إلى مطالبة الإمام بهذا السهم، إنما كان الخمس كله تحت تصرف الرسول، ما دام هو على قيد الحياة.
v لو كان نصف الخمس سهماً للهاشميين، لكان هذا المال يدفع إليهم بصورة مستقلة في صدر الإسلام، بينما لم يذكر أحد أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة رحمهم الله كانوا يستخرجون سهماً خاصاً للهاشميين ويدفعونه إليهم.
v قال البعض في معرض الحديث عن معنى الخمس وتاريخه: كان العرب متعارفين قبل الإسلام على دفع ربع الغنائم التي يصيبونها في غزواتهم إلى قائدهم ليتصرف بها حسب رأيه. ثم تغير الربع إلى الخمس بعد ظهور الإسلام. ويظهر هذا الأمر أن جميع الخمس حق للإمارة بمقتضى التشريع، وأنه يجب أن يكون تحت تصرف قائد المسلمين.
v كان هناك العديد من الصحابة المتفقهين في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن لم ينقل عن أي منهم أنه تصرف بالحقوق الشرعية، وفي زمن أمير المؤمنين رضي الله عنه لم يذكر ولو لمرة واحدة أن الإمام الحسن أو الإمام الحسين تصرف بشيء منها. وهذا يفيد بحصر هذه الأموال بالحاكم الإسلامي وجعلها تحت اختياره. وإذا كان خمس أرباح المكاسب غير موجود في صدر الإسلام وعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فإن أموالاً كثيرة كانت موجودة آنذاك، وهي متعلقة بمقام الحكومة والإمامة، ومنها خمس غنائم الحرب والفيء والأنفال.
والمعروف أن إمام المسلمين ووليهم الفقيه يتولى القيام بمسؤوليات مهمة، منها: تجهيز جيش المسلمين لصد الأعداء والمتآمرين، حفظ الإسلام ومقدساته، إجراء الحدود والديات، إدارة شؤون المجتمع الإسلامي، متابعة أوضاع الفقراء والمساكين.. إلخ.
فكيف يعقل أن تكون هذه الأمور بعض مسؤولياته، وليس له حق التصرف بالحقوق الشرعية أو بميزانية الدولة؟
إن هذه الحقوق الشرعية لا بد أن تكون متعلقة بمن يتحمل كل هذه المسؤوليات المهمة، ثم إن الحاكم يعتبر برأي النظام الإسلامي بمثابة الأب، والمؤمنون هم عياله.
ففي أحاديث المعصومين وصف الولي الفقيه بأنه (وارث الأنبياء)، و(أمين الأنبياء)، و(أحصن الإسلام)، و(الحجة على الناس)، و(الحاكم)، و(القاضي)، و(مرجع الناس وملجأهم)، و(مسؤول الرعية وكفيلها...) وما إلى ذلك، وهذه الأوصاف تبين أنه يشغل محل الإمام في زمن غيبته وينهض بجميع واجبات الحكومة الإسلامية، وهو الشخص الذي يعرض عليه الناس مشاكلهم، ويتخذون منه ملجأ لهم وملاذاً في جميع قضاياهم ومشاكلهم.
إن من أوضح صلاحيات الحاكم الإسلامي التصرف بهذه الحقوق، واستعمالها في تأمين مصالح المسلمين وتحقيق الأهداف السامية للنظام الإسلامي وفي رفع حاجات الناس، وطبيعي أنه لا يستطيع أن يقوم بشيء من هذه الأمور دون توفر الأموال اللازمة.
من هنا فإن نهوض ولي الفقيه في نظام الجمهورية الإسلامية بكل هذه الواجبات الخطيرة والمسؤوليات الثقيلة يقتضي أن تدفع له جميع الحقوق الشرعية وخصوصاً الخمس الذي هو (وجه الإمارة) وميزانية الدولة، ليصرفها في الموارد الضرورية ويؤمن بها حياة الفقراء والمساكين ولا سيما الهاشميين منهم. فإذا لم تكفِ هذه الحقوق لسد الحاجات عمد حينئذ إلى فرض ضرائب أخرى بحكم ولايته.
وليس من الصواب في شيء أن تكون هذه الأموال بيد شخص أو مجموعة من الأشخاص، ينفقونها حسب آرائهم، في الوقت الذي يكون حاكم المسلمين ووليهم الفقيه آخذاً على عاتقه إدارة المجتمع، ومسؤولاً عن الكثير من المشاكل في هذا المجتمع.