إلزامات للشيعة في الخمس (2)
يُعدّ موضوع الخُمس عند الشيعة الإمامية من أخطر أبواب الخلاف العقدي والفقهي، ليس بسبب أصل الحكم القرآني، وإنما بسبب التحولات الجذرية التي أُدخلت عليه عبر القرون، حتى أصبح أداة مالية مركزية تُدار باسم الإمام الغائب، ثم حُصرت عمليًا بيد الفقيه والمرجع، ثم الولي الفقيه، دون نص صريح من كتاب الله ولا من سنة نبيه ﷺ.
فالقرآن الكريم لم يذكر الخُمس إلا في سياقٍ واحدٍ واضح، وهو غنائم الحرب، وقد أقرّ كبار مفسري الشيعة المتقدمين بذلك صراحة، إلا أن المتأخرين لم يكتفوا بتوسيع مفهوم الغنيمة ليشمل أرباح المكاسب، بل انتقلوا إلى مرحلة أخطر، وهي إعادة تعريف الخُمس على أنه ميزانية خاصة لمقام الإمامة والحكومة، ثم زعموا أن الإمام الغائب راضٍ عن هذا التصرف، بل عن حصره بيد الفقيه دون سائر الناس.
ويكشف هذا المقال، من خلال نصوص شيعية صريحة، أن دعوى العلم برضا الإمام لم تكن إلا تمهيدًا نفسيًا وعاطفيًا، سرعان ما تراجعوا عنه عمليًا حين تعلق الأمر بتدفق الأموال، فاشترطوا الإذن، والاستجازة، والتقليد، ومنعوا أي تصرف في الخُمس ولو كان في أشد الضرورات إلا بإذن المرجع، مما يُظهر أن القضية في حقيقتها قضية سلطة ومال لا مجرد اجتهاد فقهي.
ومن منظور أهل السنة والجماعة، فإن هذا المسار يمثل انحرافًا منهجيًا خطيرًا، قائمًا على وضع روايات غير ثابتة، وتعطيل النص القرآني، وتحويل العبادة المالية إلى نظام مغلق يخدم طبقة دينية بعينها، وهو ما يميز الفرق الضالة التي غيّرت الدين باسم الدين.
الزامات للشيعة:
v ما دام الفقيه الجامع للشرائط يتحمل في الدولة الاسلامية وظائف الأئمة وأعمالهم كافة(باستثناء ما يختص بهم)، فإن الأدلة المستقاة من الكتاب والسنة تقضي بدفع جميع هذه الحقوق إليه؛ ليتصرف بها حسب ما يراه، وليس لأحد حق التصرف بها دون رضاه أو إذن منه.
إذن فالأمر كله متعلق بالمال، حتى انقسم الفقهاء في تحديد صلاحيات الولي الفقيه والحاكم الإسلامي إلى قسمين، فمنهم من ذهب إلى حصرها في الموارد التي ورد فيها دليل شرعي صريح، وهي كالتالي:
1- الولاية على أموال الأيتام والسفهاء ومن في حكمهم.
2- الولاية على أموال الغائبين (الأشخاص الذين لا يد لهم على أموالهم لعدم حضورهم).
3- الولاية في بعض الأمور المتعلقة بالزواج (كتزويج السفهاء مثلاً).
4- الولاية على أموال الإمام عليه السلام (كنصف الخمس) والأموال المجهولة المالك، والإرث الذي لا وارث له.
ومنهم من اعتمد على الأدلة العامة في تعميم ولاية الفقيه، فجعل للولي الفقيه كل ما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المعصوم إلا ما ورد فيه دليل خاص يستثني الفقيه منه كإعلان الجهاد الابتدائي الذي يتعلق بالمعصوم وحده.
إذن المسألة في جُلها هي الأموال.
ولعل هذه التفاصيل قد وقف القارئ وخاصة الشيعي على علة هذا الصراع الكبير بين الشيعة في مسألة ولاية الفقيه، رغم أن أساس المذهب الشيعي مبني على نحو ما على هذا القول. فالمسألة كلها من أجل حطام الدنيا وحسب.
وقد دفع البعض من المراجع حياتهم ومنزلتهم في هذا الصراع بسبب معارضتهم لنظرية ولاية الفقيه، كآية الله حسن طباطبائي، والمنتظري، وجواد مغنية، ومحمد صادق الصدر، والمرعشي النجفي، وشريعت مداري، وهذا الأخير كاد أن يدفع حياته ثمناً لمعارضته هذه الفكرة، كما يقول الموسوي:(وعندما أصر الإمام الشريعت مداري على موقفه المعارض أرسل الخميني عشرة آلاف شخص منجلاوزته يحملون العصي والهراوات إلى دار الإمام يريدون قتله وقتل أتباعه وهم ينادون بصوت واحد ويشيرون إلى دار الإمام "وكر التجسس هذا لابد من حرقه" ودافع حرس الإمام الشريعت مداري دفاع الأبطال عن دار الإمام واستشهد رجلين من أتباعه في ذلك الهجوم البربري الذي شنه إمام قائم على إمام قاعد. وهكذا أعطى الإمام الخميني درساً بليغاً للائمة الآخرين الذين أردوا الوقوف ضد ولايته ليعملوا أن مصير الإمام الشريعت مداري سيكون مصيرهم إذا ما أردوا الوقوف ضد رغبته) ا.هـ.
v لا يوجد في كتب أهل السنة أبواب مستقلة للخمس، وإنما تجد ذكره عند بيان أحكام الغنائم في إحدى تفريعات أبواب الجهاد أو فيما يتعلق بأحد موارد الزكاة عند الكلام عن أحكام الركاز والمعادن، لأن الموردين المذكورين فيهما (الغنيمة والركاز) ليس لهما وجود فِعلي في زماننا هذا فضلاً عن الأزمنة الغابرة. وكذلك كتب المتقدمين من الشيعة كالكافي وغيره، بينما تجد عند الشيعة فيما بعد أبواب خاصة بالخمس في مصنفاتهم تبلغ مئات الصفحات، إلى أن انتهى بهم الأمر إلى وضع مصنفات ورسائل مستقلة في الخمس.
v اختلف الشيعة في مستحق الخمس، بين كونهم جميع فقراء المسلمين، أو اقتصاره على فقراء بني هاشم، وكذلك اختلفوا في استحقاق من انتسب إلى بني المطلب، أو إلى هاشم بالأمومة.
v اختلف الشيعة في حكم الخمس في غيبة الإمام المهدي إلى عشرات الأقوال، رغم ورود عدة روايات من طرق الأئمة رحمهم الله في تحليل وإباحة الخمس لشيعتهم، إلا أن علماء الشيعة قد غيّبوا هذه الروايات عن الأتباع.
v ليس في آية الخمس أو حديثه، بل ولا في روايات الخمس المنسوبة إلى الأئمة أن من مستحقي الخُمُس الفقية أو المجتهد أو المقلَد كما هو الحال الآن.
v اعتراف الشيعة بأن التاريخ لم يذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو علي أو الحسن أو الحسين رضي الله عنهم قد أخذوا شيئاً من الخمس، ولا أن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه قد ذكر شيئاً من ذلك في كتبه للولاة، واضطراب الشيعة في رد هذه الحقائق.
v كتب الشيعة تبين بوضوح أن نظرية الخمس مرت بمراحل كثيرة عبر التاريخ، بدءاً بالإباحة المطلقة، وانتهاءً بالوجوب، ثم بحصر الوجوب في الفقيه، ثم المقلَد، ثم قول البعض بوجوب حصره في الولي الفقيه دون غيره. وإن هذا الحصر الأخير كان من أعظم أسباب الخلاف بين أنصار ولاية الفقيه وشورى الفقهاء.
v اعتراف الشيعة أن أموال الخمس ضخمة جداً، وأن جزءاً واحداً من آلاف الأجزاء من هذه المالية الضخمة يكفي أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله، فماذا يفعل بالأجزاء الكثيرة المتبقية؟
v اعتراف الشيعة أن مصطلح تقليد ومصطلح مرجعية ومرجع أعلى..إلخ، اخترعه المتأخرون. وكذلك مسألة لزوم تقليد الأعلم. واختلافهم في تحديد الأعلم وكذلك اختلفوا في حصره في السادة دون غيرهم.
v إن الخمس من أعظم أسباب الصراع بين المراجع عند الشيعة، بل والصراع بين حوزة قم والنجف، وتاريخ الحوزات مليء بالفضائح بسبب الخمس، وشكوى الكثير من الإصلاحيين عند الشيعة من استغلال الخمس باسم الدين.
v من مساوئ الخمس سيطرة أصحاب رؤوس الأموال والعوام على المراجع من باب الخمس، وتأثيرهم على استنباطهم للأحكام، مما يهدد رسالة الإفتاء ومهمتها. وكذلك استغلال المستعمر له.
v تشدّد المراجع في وجوب إخراج أتباعهم للخمس، وفي كل شيء، كالدهن، والأرز، والطحين، والسكر، والملح، والحبوب، والدقيق، والشاي، والنفط، والغاز، والكبريت، والكحل والزئبق، وأثاث البيت، والكتب غير المقروءة، والكفن، وأشجار الزينة، وعيدية الأطفال، والساعة، والقلم، وسائر الهدايا والهبات، وأطقم الأواني المنزلية، وطيور الزينة، والأموال المحرمة والمسروقة، حتى لو غاص في أعماق البحار ووجد شيئاً سوف يجد من ينتظره على الشاطئ ليأخذ خمسه، ولو اشترى دابة ووجد في جوفها شيئاً له قيمة، ولو ابتاع سمكة فوجد في جوفها شيئاً أخرج خمسه، وكذلك ما يتركونه بعد مماتهم من ميراث.. إلخ، وتشددهم في ذلك حتى على الأطفال والفقراء والمرضى الذين يجمعون الأموال من أجل العلاج. رغم أن الكثير منها لا يصدق عليه اسم الكسب أو الفائدة لأنهم قالوا كما عرفت: إن الغنيمة هي الفائدة المكتسبة.
وإن قالوا: إن المراد بالغنيمة هو الفائدة المكتسبة المحصلة بكسب، فحينئذ يخرج من الخمس الميراث، وكذلك الهبة والصدقة؛ لبعد إطلاق الكسب على مثل قبول الهبة والصدقة.
v وقالوا في باب ذكر الوقت الذي يجب إخراج الخمس فيه: يجب إخراج الخمس حين حصول المال من غير مراعاة لحلول الحول عليه، ولا غير ذلك. ولا يعتبر الحول في شيء من الخمس، ولكن يؤخر ما يجب في أرباح التجارات احتياطاً للمكتسب.
v تساهل المراجع في الزكاة والحج وغيرهما، بل وقدموا الخمس على الزكاة والحج إذا تعارضا. وكذلك قالوا بعدم وجوب الخمس أو الزكاة في الخمس.