يُعدّ باب المصير الأخروي من أدقّ أبواب العقيدة الإسلامية، لما يتعلّق به من عدل الله تعالى ورحمته، ولذلك أحاطه القرآن الكريم والسنة النبوية بضوابط محكمة تمنع الخوض فيه بالظن والهوى. غير أنّ بعض كتب التراث الشيعي المتأخرة، وعلى رأسها بحار الأنوار للمجلسي، اشتملت على روايات تصوّر مشاهد أخروية تخالف النصوص القطعية، وتقدّم تصوّرات غريبة عن عدل الله وحكمته، من ذلك رواية تزعم امتحان الأطفال والمجانين وأهل الفترة يوم القيامة بإلقائهم في النار.
وتكمن خطورة هذه الرواية في كونها تُنسب إلى النبي ﷺ عبر أئمة أهل البيت، وتُستعمل لتأسيس تصوّر عقدي مستقل عن النص القرآني، يقوم على فكرة الاختبار بالنار بعد الحساب، وهو ما لم يرد به نص صريح صحيح في القرآن، ولا ثبت عن النبي ﷺ بسند صحيح صريح.
ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الرواية كما وردت في بحار الأنوار، ثم إخضاعها للنقد من حيث السند والمتن والعقيدة، وبيان مخالفتها لأصول الإسلام في باب العدل الإلهي، والتنبيه إلى خطورة اعتماد مثل هذه الأخبار في مسائل عقدية كبرى.
نص الرواية:
3- مع: أبي، عن سعد، عن أحمد بن محمد، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام: هل سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن الأطفال؟ فقال: قد سئل فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين.
ثم قال: يا زرارة هل تدري ما قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين؟ قلت: لا، قال: لله عز وجل فيهم المشية؛ إنه إذا كان يوم القيامة أتي بالأطفال، والشيخ الكبير الذي قد أدرك السن ولم يعقل من الكبر والخرف، والذي مات في الفترة بين النبيين، والمجنون، والأبله الذي لا يعقل فكل واحد يحتج على الله عز وجل، فيبعث الله تعالى إليهم ملكا من الملائكة ويؤجج نارا فيقول: إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها، فمن وثب فيها كانت عليه بردا وسلاما، ومن عصاه سيق إلى النار.
بحار الأنوار للمجلسي الجزء الخامس ص290
الشبهة:
|
يستدل بعض الشيعة بهذه الرواية على أن جميع الأطفال والمجانين وأهل الفترة يُختبرون يوم القيامة بإلقائهم في النار، وأن هذا هو التفسير الصحيح لقول النبي ﷺ: «الله أعلم بما كانوا عاملين»، ويجعلون هذا الامتحان أصلًا عقديًا ثابتًا. |
الرد على الشبهة
أولًا: من جهة السند
◘ الرواية خبر آحاد لا تقوم به حجة في مسائل العقيدة.
◘ وردت في بحار الأنوار، وهو كتاب جامع لكل ما وُجد دون التزام بالصحة.
◘ في السند رواة مختلف فيهم، ولا يوجد توثيق معتبر يجعل الحديث حجة قطعية.
◘ لم ترد هذه الرواية في كتب الحديث المعتمدة عند أهل السنة بأسانيد صحيحة صريحة.
ثانيًا: من جهة المتن
◘ تصوير الامتحان بـالإلقاء في النار يتعارض مع ظاهر الرحمة الإلهية.
◘ النص يجعل دخول النار نتيجة عصيان أمر لم يسبق تكليفٌ دنيوي به.
◘ لا يوجد في القرآن نص صريح يثبت اختبارًا جماعيًا بالنار بعد الحساب.
ثالثًا: مخالفة القرآن الكريم
◘ قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وهذه الآية أصلٌ في نفي العذاب قبل قيام الحجة، ولا تتضمن امتحانًا بالنار.
◘ وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فكيف يُكلَّف طفل أو مجنون بإلقاء نفسه في النار؟
رابعًا: موقف أهل السنة والجماعة
◘ اختلف أهل السنة في مصير أطفال المشركين وأهل الفترة، لكنهم لم يجعلوا الامتحان بالنار أصلًا قطعيًا.
◘ القول الراجح أن أمرهم إلى الله، أو أنهم في الجنة برحمة الله.
◘ لم يقل أحد من السلف إن هذا الامتحان ثابت بنص قطعي يجب الإيمان به.
خامسًا: الإشكال العقدي
◘ الرواية تؤسس لتصوّر عقدي خطير يعتمد على أخبار ظنية.
◘ تجعل العذاب وسيلة اختبار، وهو ما لم يثبت نصًا.
◘ تخالف المنهج النبوي في التوقّف في مسائل الغيب عند عدم الدليل القطعي.