الشيخ حامد العلي
يُعَدُّ حديث النبي ﷺ في شأن عمار بن ياسر رضي الله عنه: «تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» من أكثر النصوص التي تستغلها الفرقة الرافضية للطعن في الصحابة، وبخاصة في معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وبناء أحكامٍ عقدية خطيرة على فهمٍ مبتورٍ للنص، مخالفٍ لمنهج أهل السنة والجماعة في الجمع بين الأدلة وفهم الوقائع التاريخية.
وتقوم هذه الشبهة على دعويين باطلتين:
الأولى: أن وصف الفئة الباغية يستلزم الكفر أو الخروج من الإيمان، وأن قوله ﷺ «يدعونه إلى النار» نصٌّ في الحكم على أشخاصٍ بأعيانهم، وفي مقدمتهم معاوية رضي الله عنه.
والثانية: ربط الحديث بآياتٍ من القرآن على وجه التحريف، بزعم أن قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ إشارة إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في محاولة لإقحام القرآن في صراعٍ تاريخي، وبناء دلالة لم يقل بها أحد من سلف الأمة ولا أئمتها.
وهذا الفهم الرافضي لا يصمد أمام التحقيق العلمي، ولا يوافق أصول أهل السنة في التفريق بين البغي عن عمدٍ وبغيٍ عن تأويل، ولا ينسجم مع القواعد الشرعية في تفسير النصوص، ولا مع إجماع السلف على عدالة الصحابة وفضلهم، مع إقرارهم بأن الخطأ قد يقع منهم اجتهادًا وتأويلًا، لا عن هوى ولا عن قصدٍ لمخالفة الحق.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يعرض ردّ الشيخ حامد العلي على هذه الشبهة، ويُبرز المنهج السني في فهم حديث عمار، وبيان معنى البغي الوارد فيه، وتفسير قوله ﷺ «يدعونه إلى النار»، والرد على التفسير الرافضي المنحرف للآيات القرآنية، لإظهار بطلان هذه الشبهة، وصيانة مقام الصحابة رضي الله عنهم من الطعن والافتراء.
سئل الشيخ حامد العلي عن هذه الشبهة وهي ((ياعمار تقتلك الفئة الباغية)) فكان جوابه.
كيف نرد على هذه الشبهات التي يدندن بها الرافضة:
الأولى: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار)، وقولهم: أن معاوية رضي الله عنه هو المقصود بيدعونه إلى النار، وهل يمكن أن يجتمع البغي مع الإيمان؟
الثانية: قال الله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ﴾، ويقول الرافضة: المقصود بقوله تعالى هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. لقوله تعالى في أية أخرى (﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ ولهذا لم يمكن أن يكون هناك تعارض في القرأن.
وجزاك الله كل الخير
جواب الشيخ:
البغي يكون نوعين، نوع عن عمد، ونوع عن تأويل، والبغي الذي حصل من فئة معاوية كان عن تأويل، بمعنى إنهم يظنون إنهم على الحق، ولكن هذا لا يخرجه عن وصف البغي في الظاهر، وليس في الحديث دليل على أن معاوية رضي الله عنه هو الذي يدعوه إلى النار، وإنما يدل على أن البغي في الحقيقة دعوة إلى النار، وإن كان فاعله قد لا يشعر بذلك، كما أنك عندما تقول لمن يقول بجواز القتال في عصبية، لمن ينصر عصبة، إنه يدعو إلى النار بهذه الفتوى، ولكن هو قد يكون متاولا يظن إنه على صواب وحق، ولهذا لم يقل علماء أهل السنة أن الصحابة معصومون، ولم يقع منهم الخطأ قط، بل قالوا جائز أن يكون الخطأ والذنب قد وقع بتأويل، وبغير تأويل فهم بشر، غير أن حسناتهم الراجحة وجهادهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وفضل الصحبة تجعل فضلهم على الامة سابقا، لا يقاربهم فيه أحد، حتى ورد في الحديث أن مثل حبل أحد ذهبا من غيرهم ينفقه، لا يبلغ مد أحدهم ولا نصيفه، ولا يطعن فيهم إلا جاهل أو منافق أو مريض القلب والمقصود بقوله تعالى ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾ اي من البشر كما قال تعالى ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد﴾ وأما قوله تعالى ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ أي يحذركم من ذاته سبحانه، والنفس يراد بها في اللغة التأكيد، كما تقول جاء فلان نفسه أي لا غيره، والله تعالى عندما يقول كل نفس ذائقة الموت، لا ريب ل اتدخل ذاته في الخطاب، كما لا تدخل عندما يقول خالق كل شيء، مع إنه سبحانه قال ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ لان الشيء هو الموجود، والعجب من هؤلاء الرافضة، كيف لا يعقلون ما يقولون، فهم يقولون هنا أن الله تعالى يحذر الصحابة من علي رضي الله عنه، ثم مع ذلك يزعمون أن الصحابة لم يبالوا بهذا التحذير، بل جحدوا حق علي رضي الله عنه، ومضى على ذلك كل فترة الخلافة إلى أن تولاها، وكان طيلة هذا الزمن، مهضوم الحق، مظلوما، ولم يقدر أن يسترجع حقه، فما فائدة التحذير إذا لو كانوا يعقلون. غير أن الحق الذي لاريب فيه أن عليا رضي الله عنه تولى الخلافة لما جاء حقه فيها، إذ فضله في الامة كترتيبه في الخلافة، ولهذا لم يظلم ولم يقهر وحاشا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يجحدوا وصيته، ويخونوا عهده والله أعلم.