فرية لعن علي على المنابر: تفنيد دعوى الرافضة على معاوية (الشبهة الثانية)

تُعَدُّ دعوى لعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه على المنابر بأمرٍ من معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما من أشهر الفرَى التي روّجتها الفرقة الرافضية للطعن في الصحابة، وتشويه العهد الأموي، وبثّ العداوة في تاريخ الأمة الإسلامية. وقد تَلَقَّفَ بعضُ المتأخرين هذه الدعوى دون تمحيص، حتى تسللت إلى بعض كتب التاريخ، وتناقلها الناس كأنها حقيقة مسلَّم بها، مع أنها عند التحقيق العلمي لا تقوم على دليل صحيح، ولا تثبت بنقل موثوق.

إن هذه الفرية تقوم في أصلها على أخبار واهية، وأسانيد ساقطة، أغلبها مرويٌّ عن متهمين بالكذب والوضع، كأبي مخنف لوط بن يحي، ومن دونه من الإخباريين المتروكين، الذين عُرفوا بالتشيّع والغلو، وتلقّف أخبارهم من جاء بعدهم دون نقدٍ ولا فحص. ثم أُلبست هذه الروايات ثوب “الإجماع التاريخي” بعبارات فضفاضة من قبيل: «ذكر المؤرخون» أو «طفحت به كتب التاريخ»، دون عزوٍ علمي ولا توثيقٍ معتبر.

والنظر المنهجي المنصف يقطع بأن هذه الدعوى لا تستقيم مع ما ثبت من سيرة معاوية رضي الله عنه، ولا مع ما شهد له به الصحابة والتابعون من الحلم، والعدل، وحسن السياسة، وتعظيمه لأهل بيت النبي ﷺ، وإقراره بفضل علي رضي الله عنه وسبقه. كما أنها تتناقض مع أصول الشريعة القطعية التي تحرّم سبّ المسلم ولعنه، فكيف بلعن أحد كبار الصحابة وأهل بيت النبي ﷺ على رؤوس الأشهاد؟!

ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، الذي يهدف إلى تفنيد هذه الفرية تفنيدًا علميًا، من خلال نقد أسانيدها، وبيان تناقضها مع الثابت من سيرة معاوية رضي الله عنه، وشرح النصوص التي يُساء الاستدلال بها – وعلى رأسها حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح مسلم – وبيان فهم أهل العلم لها، لإظهار زيف هذه الدعوى، وكشف حقيقة ما روّجته الفرقة الرافضية من أباطيل لا تصمد أمام البحث والتحقيق.

 الشبهة الثانية:

ما جاء في صحيح مسلم (برقم 2409) عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: استُعمل على المدينة رجل من آل مروان قال: فدعا سهل بن سعد فأمر أن يشتم علياً رضي الله عنه، فأبى سهل، فقال له: أما إذا أبيت فقل: لعن الله أبا تراب، فقال سهل: ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي تراب.. ثم ذكر الحديث وسبب تسميته بذلك.

 الجواب: هذا الادعاء لا أساس له من الصحة، بل أن استشهاد هؤلاء وأمثالهم بهذا الحديث لا حجة فيه، فأين التصريح باسم معاوية فيه؟؟ ثم أن الرجل من آل مروان، ومن المعروف لدى الجاهل قبل العالم أن معاوية رضي الله عنه سفياني وليس مرواني..

 ومن الغرائب أن هؤلاء المبتدعة ينكرون سب علي، ولم يتورعوا عن سب خير البرية بعد الأنبياء أبي بكر وعمر وعثمان!! وكتبهم طافحة بذلك..

 ولنستمع إلى ما رواه أبو نعيم في الحلية (1/ 84 - 85) عن أبي صالح قال: دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية فقال له معاوية: صف لي علياً، فقال ضرار: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال معاوية: لا أعفيك، قال ضرار: أما إذ لابدّ، فإنه كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً ويحكم عدلاً، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته، كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما جشب – غليظ، أو بلا إدام -، كان والله كأحدنا، يدنينا إذا أتيناه، ويجيبنا إذا سألناه، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبة له، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، يميل في محرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم – اللديغ -، ويبكي بكاء الحزين، فكاني أسمعه الآن وهو يقول: يا ربنا، يا ربنا، يتضرع إليه، ثم يقول للدنيا: إلى تغررت؟ إلى تشوفت؟ هيهات، هيهات، غري غيري، قد بَتَتّكِ ثلاثاً، فعمرك قصير، ومجلسك حقير، وخطرك كبير، آهٍ آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق. فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها، وجعل ينشفها بكمه، وقد اختنق القوم بالبكاء، فقال – أي معاوية -: كذا كان أبو الحسن رحمه الله، كيف وَجْدُكَ عليه يا ضرار؟ قال ضرار: وَجْدُ من ذبح وأحدها في حِجْرِها، لا ترقأ دمعتها ولا يسكن حزنها، ثم قام فخرج.

 قال القرطبي معلقاً على وصف ضرار لعلي رضي الله عنه وثنائه عليه بحضور معاوية، وبكاء معاوية من ذلك، وتصديقه لضرار فيما قال: (وهذا الحديث يدل على معرفة معاوية بفضل علي رضي الله عنه ومنزلته، وعظم حقه ومكانته، وعند ذلك يبعد على معاوية أن يصرح بلعنه وسبه، لما كان معاوية موصوفاً به من العقل والدين والحلم وكرم الأخلاق وما يروى عنه من ذلك فأكثره كذب لا يصح..) المفهم للقرطبي (6 / 278).

 وبعد هذا الموقف، هل يتصور من معاوية رضي الله عنه، أن يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر؟!

 وهل يعقل أن يسع حلم معاوية رضي الله عنه الذي بلغ مضرب الأمثال، سفهاء الناس وعامتهم وهو أمير المؤمنين، ثم يأمر بعد ذلك بلعن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب على المنابر، ويأمر ولاته بذلك في سائر الأمصار والبلدان؟؟!! والحكم في هذا لكل صاحب عقل وفهم ودين..

 وأما ما قيل من أن بني أمية كانوا يسبون علي بن أبي طالب في الخطب، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أبطله وكتب إلى نوابه بإبطاله. انظر خبر أمر عمر بن عبد العزيز بترك سب علي على المنابر في الكامل لابن الأثير (3/255-256) وسير أعلام النبلاء للذهبي (5/147).

 قلت: أن من أحب شخصاً لا ينبغي أن ينسب كل عمل خير له؛ صحيح أن عمر بن عبد العزيز من أئمة الهدى ومن المجددين، واعتبر خامس الخلفاء الراشدين، لإنه سار على نهجهم في سيرتهم مع الرعية والخلافة وطريقة العيش وغيرها من الأمور، لكن لا يعني أن نفضل عمر بن عبد العزيز على معاوية رضي الله عنه، فمعاوية صحابي جليل القدر والمنزلة، وهو خال المؤمنين، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصافحت يده يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أن مثل هذه الفضيلة والمكانة لا تجعل من معاوية رضي الله عنه يصرح بلعن علي رضي الله عنه على المنابر..

 سئل عبد الله بن المبارك، أيهما أفضل:

 معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: والله أن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سمع الله لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟. وفيات الأعيان، لابن خلكان (3 /33)، وبلفظ قريب منه عند الآجري في كتابه الشريعة (5/2466).

 وأخرج الآجري بسنده إلى الجراح الموصلي قال:

 سمعت رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال: يا أبا مسعود؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان؟! فرأيته غضب غضباً شديداً وقال: لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحيه عز وجل. كتاب الشريعة للآجري (5/2466-2467) شرح السنة لللالكائي، برقم (2785). بسند صحيح.

 وسئل المعافى بن عمران، معاوية أفضل أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: كان معاوية أفضل من ستمائة مثل عمر بن عبد العزيز. السنة للخلال (2/ 435).

 وكذلك أخرج الآجري بسنده إلى أبو أسامة، قيل له: أيهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟

 فقال: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقاس بهم أحد. كتاب الشريعة (5/2465-2466) بسند صحيح، وكذلك أخرج نحوه الخلال في السنة، برقم (666).

 وروى الخلال في السنة بسند صحيح (660) أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد الله أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: معاوية أفضل، لسنا نقيس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً، قال النبي صلى الله عليه وسلم: خير الناس قرني الذي بعثت فيهم.

 وعن الأعمش إنه ذكر عنده عمر بن عبد العزيز وعدله، فقال: فكيف لو أدركتم معاوية؟ قالوا: يا أبا محمد يعني في حلمه؟ قال: لا والله بل في عدله. السنة للخلال (1 / 437).

 وإن الجمع الذي بايع معاوية رضي الله عنه بالخلافة خير من الجمع الذي بايع عمر بن عبد العزيز رحمه الله، فقد بايع لمعاوية جم غفير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وفي ذلك يقول ابن حزم رحمه الله كما في الفصل (5 / 6): فبويع الحسن، ثم سلم الأمر إلى معاوية، وفي بقايا الصحابة من هو أفضل منهما بخلاف ممن أنفق قبل الفتح وقاتل، فكلهم أولهم عن آخرهم بايع معاوية ورأى إمامته.

 ولا شك أن الصحابة رضوان الله عليهم يتورعون عن مثل هذه الأعمال والأقوال، وهم يعلمون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في النهي عن سب المسلم أو لعنه بعينه، وهو يعلم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان. انظر تخريجه في: كتاب السنة لابن أبي عاصم (2/487) والصحيحة (1/634) ومشكاة المصابيح (4847)..

 إلى غيرها من الأحاديث التي تزجر عن هذه الفعلة القبيحة، والتي يتورع منها عوام الناس لعلمهم بحرمة دم وعرض المسلم، فما بالك بالصحابة الكرام ومن شهد بدر وبيعة الرضوان، وهو يعلم علم يقين أن الله رضي عنهم.