ادعاء التيجاني: هل الحسن البصري طعن في معاوية؟ الردّ التاريخي والردّ العلمي على الروايات الشيعية
أصبح من المألوف في بعض الكتب والمقالات الصادرة عن رموز الشيعة الإمامية، مثل أحمد حسين التيجاني، أن يقوموا بتزييف التاريخ وتلفيق الروايات لتشويه كبار الصحابة رضي الله عنهم، لا سيما الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
ومن أبرز هذه الادعاءات ما نسبوه إلى الحسن البصري رحمه الله، من إنه طعن في معاوية ووصفه بأوصاف ذمّية، بما في ذلك اتهامات باطلة تتعلق بأخذ الأمر من غير مشورة، واستخلاف ابنه يزيد، واتهام معاوية بقتل حجر بن عدي.
وهذه الروايات لم تصمد إمام تحقيق السند والمصدر، فقد تبين أن مصدرها أبي مخنف (لوط بن يحيى الأزدي الكوفي) وهو راوي ضعيف، وقد أشار إلى ضعفه كل من الذهبي وابن حجر والدارقطني وابن معين وابن عدي، بل وصفه البعض بالشيعي المحترق، أي المفسد للروايات.
إن هذا المقال يهدف إلى تفنيد هذه الشبهات والرد عليها بالحقائق التاريخية، وإظهار أن الروايات المروجة من قبل التيجاني لا سند لها، وأن ما فعله معاوية رضي الله عنه في خلافته كان حفاظًا على وحدة الأمة وحقنًا لدماء المسلمين، وهو ما أكّده الحسن بن علي رضي الله عنه في صلح الحسن ومعاوية، وفي مواقف أخرى للرواة الثقات، بما فيها البخاري، والطبراني، وابن سعد، والبيهقي.
كما يوضّح المقال أن الحسن البصري نفسه لم يطعن في معاوية، وأن هذه النسبة إليه ملفقة على أهواء الفرق الضالة، وأن المقصود من نشر هذه الروايات هو تسميم التاريخ الإسلامي لصالح الأيدولوجيا الإمامية وليس خدمة الحقيقة.
يقول التيجاني:
((وقد أخرج أبو الأعلى المودودي في كتابه (الخلافة والملك) نقلا عن الحسن البصري قال:
أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا وأحدة لكانت موبقة له:
(1) أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.
(2) إستخلافه بعده ابنه سكيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير.
(3) ادّعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر.
(4) قتله حجراً وأصحاب حجر فيا ويلا له من حجر ويا ويلا له من حجر وأصحاب حجر.))
1- هذه الرواية مدارها على أبي مخنف(5)، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحى الأزدي الكوفي قال عنه الذهبي وابن حجر((أخباري تالف لا يوثق به))(6)، ((تركه أبو حاتم وغيره، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة ليس بشيء، وقال ابن عدي: شيعي محترق))(7)، وعده العقيلي من الضعفاء(8)، وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه.
2- لو فرضنا صحة هذا الكلام عن الحسن، لما كان فيه أي مطعن في معاوية، فالادعاء بأن معاوية أخذ الأمر من غير مشورة فباطل، لأن الحسن تنازل له عن الخلافة وقد بايعه جميع الناس ولم نعلم أن أحداً من الصحابة امتنع عن مبايعته، وأما استخلافه يزيد فقد تم بمبايعة الناس ومنهم عبد الله بن عمر، ولم يتخلّف إلا الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، وليس تخلّف من تخلف عن البيعة بناقض لها ولا يمثل أي مطعن في معاوية، أما أن يزيد خميراً يلبس الحريرالخ، فقد كذّبه ابن عليّ محمد بن الحنفية الذي أقام عند يزيد فوجده بخلاف ما يدعون(9).
3- أما ادعاؤه زياداً بخلاف حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال (لعبد بن زمعة، هو لك الولد للفراش وللعاهر الحجر) باعتبار إنه قضى بكونه للفراش وباثبات النسب فباطل ((لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت النسب، لأن عبداً ادعى سببين: أحدهما الأخوة، والثاني ولادة الفراش، فلو قال النبي صلى الله عليه وسلم هو أخوك، الولد للفراش لكان اثباتاً للحكم وذكراً للعلة، بيد أن النبي صلى الله عليه وسلم عدل عن الأخوة ولم يتعرض لها وأعرض عن النسب ولم يصرح به وإنما هو في الصحيح في لفظ (هو أخوك) وفي آخر (هو لك) معناه فأنت أعلم به بخلاف زياد فإن الحارث بن كلدة الذي ولد زياد على فراشه لم يدّعيه لنفسه ولا كان ينسب إليه فكل من ادعاه فهو له إلا أن يعارضه من هو أولى به منه فلم يكن على معاوية في ذلك مغمز بل فعل فيه الحق على مذهب الإمام مالك))(10)، ومن رأى أن النسب لا يلحق بالوارث الوأحد أنكر ذلك مثل الحسن على فرض صحة نسبة هذا الادعاء له فكيف إذا ظهر كذب هذه النسبة إليه، وعلى كل فالمسألة اجتهادية بين أهل السنة، وأما قتل حجر فقد ذكرت الأسباب التي دعت معاوية لذلك بما يغني عن الإعادة هنا(11)، ومما سبق يتضح لدينا أن هذه المآخذ الأربعة على معاوية لا تمثل في حقيقتها أي مطعن به والحمد لله رب العالمين.
4- شبهة أن الحسن البصري رحمه الله طعن في معاوية رضي الله عنه!!
ذكر الطبري في تاريخه (3/ 232) ضمن حوادث سنة (51ه) وابن الأثير في الكامل (3/ 487) نقلاً عن الحسن البصري إنه قال: أربع خصال كن في معاوية لو لم تكن فيه إلا وأحد لكانت موبقة له:
أخذه الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة ونور الفضيلة.
استخلافه بعد ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب الطنابير.
ادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر.
قتله حِجْراً وأصحاب حِجْر، فيا ويلاً له من حِجْر ويا ويلاً له من حِجْر وأصحاب حِجْر.
وأما الجواب عن هذه الشبهة فهو كالتالي:
أولاً: من ناحية السند:
هذه الرواية مدارها على أبي مخنف، وأبو مخنف هذا هو لوط بن يحيى الأزدي الكوفي، قال عنه الذهبي كما في الميزان (3 / 419) وابن حجر كما في اللسان (4 / 492): أخباري تالف لا يوثق به. كما تركه أبو حاتم وغيره، وقال عنه الدارقطني: ضعيف، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال مرة ليس بشيء، وقال ابن عدي شيعي محترق. ميزان الاعتدال (3 / 419)، وعده العقيلي من الضعفاء. انظر الضعفاء للعقيلي (4 / 18 – 19). وللمزيد من حال هذا الرجل راجع رسالة مرويات أبي مخنف في تاريخ الطبري للدكتور يحيى بن إبراهيم اليحيى (ص 43 – 45) ففيها مزيد بيان وتفصيل عن حال هذا الرجل.
وعلى ذلك فالخبر ساقط ولا حجة فيه بسبب ضعف سنده، هذا بالنسبة لرواية الطبري. أما رواية ابن الأثير فقد أوردها ابن الأثير بغير إسناد. إذ كيف نسلم بصحة خبر مثل هذا في ذم صحابي لمجرد وروده في كتاب لم يذكر فيه صاحبه إسناد صحيح، والمعروف أن المغازي والسير والفضائل من الأبواب التي لم تسلم من الأخبار الضعيفة والموضوعة.
5- وقولهم على لسان الحسن البصري في ما روي عنه: أن معاوية أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة يُعد شبهة خامسة.
وجوابها:
هذا الادعاء باطل من أساسه.. لأن الحسن بن علي رضي الله عنهما قد تنازل لمعاوية رضي بالخلافة، وقد بايعه جيمع الناس ولم نعلم أن أحداً من الصحابة امتنع عن مبايعته.. ولست هنا بصدد الحديث عن صلح الحسن مع معاوية أو أسباب ذلك، وإنما الحديث ينصب في رد الشبهة التي أثيرت حول معاوية من كونه أخذ الأمر من غير مشورة..
وتفصيل ذلك:-
ذكر ابن سعد في الطبقات في القسم المفقود الذي حققه الدكتور محمد السلمي (1 / 316 – 317) رواية من طريق ميمون بن مهران قال: أن الحسن بن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمارة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضي به. قال المحقق إسناده حسن.
ورواية أخرى أخرجها ابن سعد أيضًا وهي من طريق خالد بن مُضرّب قال: سمعت الحسن بن علي يقول: والله لا أبايعكم إلا على ما أقول لكم، قالوا: ما هو؟ قال: تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت.
طبقات ابن سعد (1 / 286، 287). وقال المحقق: إسناده صحيح.
هذا ويستفاد من هاتين الروايتين ابتداء الحسن رضي الله عنه في التمهيد للصلح فور استخلافه، وذلك تحقيقاً منه لنبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
أخرج البخاري في صحيحه (5 / 361) من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).
وقد علق ابن حجر الهيتمي على هذا الحديث بقوله:
وبعد نزول الحسن لمعاوية اجتمع الناس عليه، وسمي ذلك العام عام الجماعة، ثم لم ينازعه أحد من إنه الخليفة الحق يومئذ.
انظر: تطهير الجنان (ص 19، 21 – 22، 49).
وأخرج الطبراني رواية عن الشعبي قال:
شهدت الحسن بن علي رضي الله عنه بالنخيلة حين صالح معاوية رضي الله عنه، فقال معاوية: إذا كان ذا فقم فتكلم وأخبر الناس أنك قد سلمت هذا الأمر لي، وربما قال سفيان – وهو سفيان بن عيينة أحد رجال السند -: أخبر الناس بهذا الأمر الذي تركته لي، فقام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه - قال الشعبي: وأنا أسمع – ثم قال: أما بعد فإن أكيس الكيس – أي الأعقل – التقي، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرداة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقاً كان لأمرئ أحق به مني ففعلت ذلك ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين﴾ [الأنبياء/111]. المعجم الكبير (3 / 26) بإسناد حسن. وقد أخرج هذه الرواية كل من ابن سعد في الطبقات (1 / 329) والحاكم في المستدرك (3 / 175) وأبو نعيم في الحلية (2 / 37) والبيهقي في الدلائل (6 / 444) وابن عبد البر في الاستيعاب (1 / 388 – 389).
وهذا الفعل من الحسن رضي الله عنه – وهو الصلح مع معاوية وحقنه لدماء المسلمين -، كان كعثمان بن عفان رضي الله عنه في نسخه للقرآن وكموقف أبي بكر في الردة.
وبعد أن تم الصلح بينه وبين الحسن جاء معاوية إلى الكوفة فاستقبله الحسن والحسين على رؤوس الناس، فدخل معاوية المسجد وبايعه الحسن رضي الله عنه وأخذ الناس يبايعون معاوية فتمت له البيعة في خمس وعشرين من ربيع الأول من سنة وأحد وأربعين من الهجرة، وسمي ذلك العام بعام الجماعة.
أخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضًا البيهقي في الدلائل من طريق الزهري، فذكر قصة الصلح.
وفيها: فخطب معاوية ثم قال: قم يا حسن فكلم الناس، فتشهد ثم قال: أيها الناس أن الله هداكم بأولنا وحقن دماءكم بآخرنا وإن لهذا الأمر مدة والدنيا دول.
المعرفة والتاريخ (3/412) ودلائل النبوة (6/444-445) وذكر بقية الحديث.
أخرج البخاري عن أبي موسى قال:
سمعت الحسن – أي البصري - يقول: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. فقال له معاوية - وكان خير الرجلين -: أي عمرو، أن قتل هؤلاء، هؤلاء وهؤلاء، هؤلاء من لي بأمور الناس؟ من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس - عبد الله بن سمرة وعبد الله بن عأمر بن كريز - فقال: اذهبا إلى هذا الرجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه.
فأتياه فدخلا عليه فتكلما وقالا له وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن علي: إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك، قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به، فما سألهما شيئاً إلا قالا نحن لك به فصالحه، فقال الحسن - أي البصري -: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر - والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول -: أن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.
صحيح البخاري مع الفتح (5/361) والطبري (5/158).
وفي هذه القصة فوائد كثيرة أفادها الحافظ في الفتح منها:-
1- عَلَمٌ من أعلام النبوة.
2- فيها منقبة للحسن بن علي رضي الله عنهما، فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله، ولما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة.
3- فيها ردّ على الخوارج الذين كانوا يكفرون علياً ومن معه ومعاوية ومن معه، بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين.
4- فيها دلالة على فضيلة الإصلاح بين الناس، ولا سيما في حقن دماء المسلمين.
5- فيها دلاله على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين، وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب.
6- فيها جواز خلع الخليفة نفسه إذا رأى في ذلك صلاحاً للمسلمين.
7- وفيه جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل، لأن الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص (ت 55ه) وسعيد بن زيد (ت51ه) في الحياة وهما بدريان.
فتح الباري (13/71-72).
وبهذا التنازل، انتهت مرحلة من الصراع وعادة الأمة إلى الجماعة بعد أن مرت بتجارب جديدة قاسية تركت آثارها عميقة في المخيلة لأجيالها المتلاحقة حتى الوقت الحاضر.
وللمزيد حول تفاصيل الصلح وخطوات ذلك، راجع كتاب: مرويات خلافة معاوية في تاريخ الطبري للدكتور خالد الغيث (ص 126 – 167)، وكتاب: مواقف المعارضة في خلافة يزيد بن معاوية للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني (ص 110 – 120) فقد أجاد كل منهما في طرح الموضوع ومناقشته..