من أخطر الشبهات التي روّجتها الفرقة الشيعية الضالّة للطعن في الصحابة الكرام دعوى أن أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما كان يتديّن بسبّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أو أنه ألزَم الناس بذلك وجعله سياسةً دينيةً للدولة الأموية. وهي دعوى تفتقر إلى الأمانة العلمية، وتعتمد على اقتطاع النصوص من سياقها، وتحميل الوقائع ما لا تحتمل، مع إغفال الشهادات التاريخية الصحيحة التي تُثبت عكس ذلك تمامًا.
ويُستدل لهذه الشبهة بحديثٍ في صحيح مسلم حول سؤال معاوية لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن سبب امتناعه عن سبّ علي، فجُعل السؤال أمرًا، والاستفهام إكراهًا، والسكوت إقرارًا! بينما يظهر بالنظر العلمي المنضبط أن الحديث لا يدل على أمرٍ بالسب، ولا على رضا به، بل إن موقف سعد، وسكوت معاوية، وعدم معاقبته، كل ذلك قرائن صريحة على بطلان هذه الدعوى.
ويهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه الشبهة تفكيكًا علميًا هادئًا، من خلال نصوص أهل السنة، وشهادات كبار الأئمة، بل ومن خلال نصوصٍ معتمدة في كتب الرافضة أنفسهم، تُثبت توقير معاوية لآل بيت النبي ﷺ، وترحّمه على علي رضي الله عنه، وتقديره لمكانته. كما يُبرز المقال جهود معاوية العظيمة في خدمة الإسلام وقيادة الفتوحات، بما يُسقط دعوى اتخاذ السبّ دينًا، ويُظهر زيف الخطاب الرافضي القائم على الطعن والتشويه.
من المسائل التي يتخذها الرافضة سُلماً وذريعة للطعن في الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما ما جاء عنه إنه كان يرى " سب على بن أبي طالب رضى الله عنه " وسنحاول بفضل الله توضيح هذه الشبهة وتعريتها سائلين المولى السداد والرشاد
1- يستدل الرافضة بالخبر الذي جاء في صحيح مسلم فعن عأمر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال (أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسُبَّ أبا تراب؟ فقال: أمّا ذكرت ثلاثاً قالهنَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسُبّهُ لأن تكون لي وأحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حُمر النَّعم، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له خلّفه في مغازيه فقال له عليُّ: يا رسول الله، خلَّفْتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا إنه لا نبوّة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر: لأُعْطينَّ الراية رجلاً يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، قال: فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي علياً، فأُتي به أرْمَد فبصق في عَيْنه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الآية: ﴿ قل تعالوْا ندعُ أبْنائنا وأبْناءَكم...﴾، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحُسيناً فقال: اللهم، هؤلاء أهلي) يقول الشيخ خالد العسقلانى في كتابه (بل ضللت - كشف أباطيل التيجاني في كتابه ثم أهتديت) و هذا الحديث لا يفيد أن معاوية أمر سعداً بسبِّ عليّ، ولكنه كما هو ظاهر فإن معاوية أراد أن يستفسر عن المانع من سب عليّ، فأجابه سعداً عن السبب ولم نعلم أن معاوية عندما سمع رد سعد غضب منه ولا عاقبه، وسكوت معاوية هو تصويب لرأي سعد، ولو كان معاوية ظالماً يجبر الناس على سب عليّ كما يدّعي هذا التيجاني، لما سكت على سعد ولأجبره على سبّه، ولكن لم يحدث من ذلك شيءٌ فعلم إنه لم يؤمر بسبّه ولا رضي بذلك، ويقول النووي (قول معاوية هذا، ليس فيه تصريح بإنه أمر سعداً بسبه، وإنما سأله عن السبب المانع له من السب، كانه يقول هل امتنعت تورعاً أو خوفاً أو غير ذلك. فإن كان تورعاً وإجلالاً له عن السب، فأنت مصيب محسن، وإن كان غير ذلك، فله جواب آخر، ولعل سعداً قد كان في طائفة يسبّون، فلم يسب معهم، وعجز عن الإنكار وأنكر عليهم فسأله هذا السؤال. قالوا: ويحتمل تأويلاً آخر أن معناه ما منعك أن تخطئه في رأيه واجتهاده، وتظهر للناس حسن رأينا واجتهادنا وإنه أخطأ) و الذي يدل على أن معاوية لم يتخذ سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه ديناً يتقرب به إلى الله ما وضحه الشيخ خالد العسقلانى وسنذكره على هيئة نقاط حتى تتضح الأمور أكثر للجميع
أ- عدم غضب معاوية من رد سعد فلو كان رد سعد أغضب معاوية لرد عليه معاوية رداً انفعالياً
ب- كذلك لم يعاقب معاوية سعد على عدم سبه لعلى رضي الله عن الجميع ولشك فيه إنه من أنصار على رضي الله عنه وهذا يدل على عدم تدين معاوية بسب علي وعدم إلزامه للناس بسب على رضي الله عنه
ج- سكوت معاوية على رد سعد لدليل على تقواه وانصياعه للحق وقبول للحق الذي تفوه به سعد.
2- جاء في كتب الرافضة ما يدل على توقير معاوية رضي الله عنه لآل البيت وحبه لهم رضي الله عنهم
أ- فقد روى الصدوق في الأمالى فعن بهجة بنت الحارث بن عبداللّه التغلبي، عن خالها عبداللّه بن منصور وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي (عليه السلام)، قال: سالت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) فقال: حدثني أبى، عن أبيه، قال: لما حضرت معاوية الوفاة دعا ابنه يزيد (....) فأجلسه بين يديه، فقال له: يا بني، أنى قد ذللت لك الرقاب الصعاب، ووطدت لك البلاد، وجعلت الملك وما فيه لك طعمة، وأني أخشى عليك من ثلاثة نفر يخالفون عليك بجهدهم، وهم: عبداللّه بن عمر بن الخطاب، وعبداللّه بن الزبير، والحسين بن علي، فأما عبداللّه بن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه، وأما عبداللّه بن الزبير فقطعه أن ظفرت به إرباً إرباً، فإنه يجثو لك كما يجثو الأسد لفريسته، ويواربك مواربة الثعلب للكلب، وأما الحسين فقد عرفت حظه من رسول اللّه، وهو من لحم رسول اللّه ودمه، وقد علمت لا محالة أن أهل العراق سيخرجونه إليهم ثم يخذلونه ويضيعونه، فان ظفرت به فاعرف حقه ومنزلته من رسول اللّه، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحماً، وإياك أن تناله بسوء، أو يرى منك مكروها "
الأمالى للصدوق المجلس رقم 30
والشاهد قول معاوية " وأما الحسين فقد عرفت حظه من رسول اللّه، وهو من لحم رسول اللّه ودمه، وقد علمت لا محالة أن أهل العراق سيخرجونه إليهم ثم يخذلونه ويضيعونه، فان ظفرت به فاعرف حقه ومنزلته من رسول اللّه، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فان لنا به خلطة ورحماً، وإياك أن تناله بسوء، أو يرى منك مكروها " وهذا دليل على حبه لآل البيت رضي الله عنهم ووصيته بهم لابنه يزيد مع ملاحظة أن هذه الوصية كانت أخر ما تكلم به معاوية رضي الله عنه وهو على فراش الموت
ب- وروى الصدوق أيضًا في أماليه " فعن الأصبغ بن نباتة قال دخل ضرار بن ضمرة النهشلي على معاوية بن أبي سفيان قال له صف لي علياً (عليه السلام) قال أو تعفيني فقال لا بل صفه لي فقال له ضرار رحم الله علياً كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ويجيبنا إذا سألناه ويقربنا إذا زرناه لا يغلق له دوننا باب ولا يحجبنا عنه حاجب ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه لهيبته ولا نبتديه لعظمته فإذا تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم فقال معاوية زدني من صفته فقال ضرار رحم الله علياً كان والله طويل السهاد قليل الرقاد يتلو كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار ويجود لله بمهجته ويبوء إليه بعبرته لا تغلق له الستور ولا يدخر عنا البدور ولا يستلين الإتكاء ولا يستخشن الجفاء ولو رأيته إذ مثل في محرابه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول يا دنيا إلي تعرضت أم إلي تشوقت هيهات هيهات لا حاجة لي فيك أبنتك ثلاثا لا رجعة لي عليك ثم واه واه لبعد السفر وقلة الزاد وخشونة الطريق قال فبكى معاوية وقال حسبك يا ضرار كذلك كان والله علي رحم الله أبا الحسن "
الأمالى للصدوق المجلس 91 الخبر
و الشاهد من الخبر دعوة معاوية لأبو الحسن رضي الله عنهما بالرحمة كما في أخر الخبر، فكيف يصح تدينه بسب على ويترحم عليه في نفس الوقت؟
و كذلك تصديق وعدم إنكار معاوية للأوصاف التي وصف بها ضرار النهشلى أبو الحسن رضي الله عنه، بل لم يتعرض معاوية لضرار بأى أذى أو ينهره ويزجره على ثناءه على أبو الحسن رضى الله عنه، بل معاوية هو من ألزم ضرار بالكلام عن أبو الحسن كما في قوله في بداية الحوار إذ قال له " صف لي علياً (عليه السلام) قال أو تعفيني فقال لا بل صفه لي " وبل طلب منه الزيادة عندما قال له " زدني من صفته " وفى نهاية الحوار " بكى معاوية " فهل يدل ذلك على حبه وتوقيره لأمير المؤمنين على بن أبي طالب رضي الله عنه أم على بغضه له؟ والإنسان بطبعه يحب سماع قصص وأخبار من يحب فرضى الله عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وغفر الله لنا ولهم ولجميع من أحبهم مإذا قدم معاوية بن أبي سفيان للإسلام؟
هل تطرق هذا السؤال إلى ذهنك ولو مرة وأحدة؟
ففى خلال أمرته على الشام في عهد عمر وعثمان رضي الله عنهما فتح قيسارية على يد معاوية رضي الله عنه سنة 15 من الهجرة كتب عمر إلى معاوية فقال له: "أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها واستنصر الله عليهم، وأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، الله ربنا وثقتنا ورجاؤنا ومولانا فنعم المولى ونعم النصير" فسار إليها فحاصرها وزاحفه أهلها مرات عديدة، وكان آخرهم وقعة أن قاتلوا قتالاً عظيماً، وصمم عليهم معاوية، واجتهد في القتال حتى فتح الله عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحواً من ثمانين ألفاً، وكمل المائة الألف من الذين إنهزموا عن المعركة، وبعث بالفتح والأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه.
فتح قبرص سنة 28 من الهجرة فُتحت على يد معاوية خلال خلافة عثمان رضي الله عنهما، فقد ركب معاوية في جيش كثيف من المسلمين ومعه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان وقد بشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الغزوة "فقد نام عندها صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة يشك أيهما قال قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك قالت فقلت ما يضحكك يا رسول الله قال ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله كما قال في الأولى قالت فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال أنت من الأولين فركبت أم حرام بنت ملحان البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت" متفق عليه ففتح الله عليهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً، ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار كل سنة، وقد ماتت أم حرام رضي الله عنها بقبرص شهيدة فقد وقصتها دابتها غزو الروم سنة 32 من الهجرة غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - وكانت معه زوجته عاتكة ويقال فاطمة و هل تعلم عدد الغزوات التي خرجت للجهاد في عهد معاوية رضي الله عنه وكم مدينة فتحت؟
إليك البيان سنة 42 من الهجرة غزا المسلمون اللان والروم فقتلوا من أمرائهم وبطارقتهم خلقاً كثيراً، وغنموا وسلموا سنة 43 من الهجرة غزا بسر بن أرطاة بلاد الروم فتوغل فيها حتى بلغ مدينة القسطنطينية سنة 44 من الهجرة غزا عبدالرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم ومعه المسلمون وشتوا هنالك، وفيها غزا بسر بن أرطاة من البحر سنة 47 من الهجرة وفي هذه السنة وجه زياد الحكم بن عمرو الغفاري إلى خراسان أميرا فغزا جبال الغور فقهرهم بالسيف عنوة ففتحها وأصاب فيها مغانم كثيرة وسبايا سنة 49 غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أول جيش يغزون مدينة قيصر مفغور لهم " فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد سنة 50 من الهجرة افتتح عقبة بن نافع الفهرى عن أمر معاوية بلاد أفريقية " تونس الآن "، وأختط القيروان... وأسلم خلق كثير من البربر سنة 53 من الهجرة غزا عبد الرحمن بن أم الحكم بلاد الروم وشتى هنالك، وفيها افتتح المسلمون وعليهم جنادة بن أبي أمية جزيرة رودس فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة...
سنة 54 من الهجرة غزا الصائفة معن بن يزيد السلمى سنة 56 من الهجرة شتى جنادة بن أبى أمية بأرض الروم، وقيل عبدالرحمن بن مسعود، ويقال فيها غزا في البحر يزيد بن سمرة وفى البر عياض بن الحارث سنة 58 فيها غزا مالك بن عبدالله الخثعمى أرض الروم، قال الواقدى: وفيها شتى يزيد بن شجرة في البحر، وقيل بل غزا البحر وبلاد الروم جنادة بن أبي أمية، وقيل إنما شتى بأرض الروم عمرو بن يزيد الجهنى هذه ما قدمه معاوية رضى الله عنه للإسلام ولم يُقدم عُشر معشاره أي معصوم من معصوميكم إلا ما كان من على رضى الله عنه وولديه الحسن " كل ما قدمه معاوية للإسلام بعد توليه الخلافة يؤجر عليه الحسن لإنه هو من تصالح معه لله وللإسلام " والحسين رضى الله عنهما أما بقية المعصومين فقد تقوقعوا داخل التقية خائفين هالعين "ونحن نبرأهم والله" و أضيف إليك أن من الآيات التي يندرج تحتها معاوية قوله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10) و معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه من الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وقد وعد الله من قاتل وأنفق من قبل وبعد الفتح بالحسنى التي هي الجنة.