شكّل انتقال الحكم بعد عصر الخلافة الراشدة مرحلةً مفصلية في تاريخ الأمة الإسلامية، وقد أسيء فهم هذه المرحلة بسبب ما بثّته الفرقة الشيعية الضالّة من تأويلات مغلوطة، ورواياتٍ مبتورة، استُخدمت للطعن في الصحابة الكرام وتشويه صورة دولة الإسلام الأولى.

ويأتي هذا المقال لعرض الرؤية الصحيحة لأهل السنة والجماعة لمسألة انتقال الحكم من الخلافة إلى المُلك، كما جاءت في النصوص الصحيحة، وكما قررها أئمة التاريخ والحديث، بعيدًا عن الغلوّ والتجني.

فيوضح المقال أن تنازل الحسن بن علي رضي الله عنهما عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه كان موقفًا شرعيًا عظيمًا قصد به حقن الدماء وجمع الكلمة، وأن هذا الحدث لم يكن انحرافًا عن منهج النبوة، بل تحقيقًا لنبوءة صادقة أخبر بها النبي ﷺ، ومقدمةً لمرحلةٍ قدرها الله لحِكَمٍ يعلمها سبحانه.

كما يبيّن المقال الفرق الجوهري بين الخلافة الراشدة القائمة على الشورى، ومرحلة المُلك التي بقيت فيها الرحمة والعدل بنسب متفاوتة، مع رفض القراءة الشيعية المنحرفة التي جعلت من هذه المرحلة ذريعة للطعن في خيار الأمة وسلفها.

مِنَ الْخِلَافَة إِلَى الْـمُلْكِ:

استقرت الخلافة لمعاوية رضي الله عنه في سنة 41هـ بعد أن تنازل له الحسن بن على بن أبي طالب عن الخلافة وبايعه هو وأخوه الحسين رضي الله عنهما وتبعهما الناس وذلك حرصًا من الحسن رضي الله عنه على حقن الدماء وتوحيد الكلمة والصف وقد أثنى الناس كثيرًا على صنع الحسن رضي الله عنه وحقق بهذا المسعى الطيب نبوءة جده الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وقولته (ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين )

وكان الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يترددان على معاوية رضي الله عنه في دمشق فيكرمهما ويحسن وفادتهما ويعرف لهما قدرهما ومكانتهما ولما مات الحسن رضي الله عنه ظل أخوه الحسين رضي الله عنه يفد كل عام إلى معاوية رضي الله عنه فيحسن استقباله ويبالغ في إكرامه وظل الحسين رضي الله عنه وفيًّا لبيعته وعِندَما انْتَقَلَ الْأَمْرُ إِلَى مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه تَحَوَّلَتِ الْخِلَافَةُ إِلَى الْـمُلْكِ.

قال سفينة أبو عبد الرحمن مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء رواه أبي داود وبسنده صحيح قال سفينة: أمسك)

وعِنْدَمَا نَرْجِعُ إِلَى كُتُبِ التَّارِيخِ نَجِدُ أَنَّهُمْ يَذْكُرُوَنَ أَنَّ أَبوبَكْرٍ رضي الله عنه حَكَمَ سَنَتَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَعُمَرَ رضي الله عنه عَشْرَ سَنَوَاتٍ وَشَهْرَيْنِ، وَعُثْمَانَ رضي الله عنه اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَعَلِي رضي الله عنه أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ وَتِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَالْحَسَنَ رضي الله عنه سِتَّةَ أشْهُرٍ، وَمَجْمُوعُهَا ثَلَاثُونَ سَنَةً

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: " تَنَازلَ الْحَسَنُ فِي رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَذَلِكَ كَمَالُ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنْ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم"

وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَامِرِ بْنِ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

" أَوَّلُ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ، ثُمَّ مُلْكٌ وَرَحْمةٌ، ثُمَّ مُلْك أَعْفَرُ، ثُمَّ مُلْكٌ وَجَبَرُوتٌ"

وَقَوْلُهُ: "أَوَّلُ دَينِكُم نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ" أَيْ: إِمَامَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَالْحَسَنِ رضي الله عنهما ثُمَّ قَالَ: " مُلْكٌ وَرَحْمةٌ" وَهُوَ عَهْدُ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه ثُمَّ "مُلْكٌ أَعْفَرُ" مِنَ "التَّعْفِيرِ" وَهُوَ الِالْتِصَاقُ بِالتُّرَابِ، وَهُوَ ذَمٌّ لَهُ كَقَوْلِهِمْ: تَرِبَتْ يَدَاكَ وَهُوَ ضِدُّ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ ثُمَّ "مُلْكٌ وَجَبَرُوتٌ" وهَذَا يَنْضَبِطُ بِمَا بَعْدَ

 

مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه سَوَاءٌ فِي مُلْكِ "يَزِيدَ" أَوِ الَّذِي بَعْدَ "يَزِيدَ" عَدَا عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزيزِ

ومضيت حسين إلى سفرٍ ..... والأمـة ارَقهـا السفــر

وقفـــت تثنيـك بـلا جـدوى ..... ودموع الصحبة تنحـدر

سـاروا فـي ركبــك أيامــاً ..... أمـلاً والحـب له صــور

وإذا أجــــرى الله قضـــاءً ..... مفعــولا لا ينفع حـــذر

فلاش ومضيت حسين الى سفر