لقد شهد التاريخ الإسلامي حادثةً فارقة تمثلها رحلة الإمام الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة وزحفه نحو الحق والجهاد، وهي مرحلة جسدت صمود أهل البيت أمام الظلم والفتنة. فقد كانت الكوفة مركزًا لمعارضة الأمويين واستنهاض المسلمين للقتال، فتواردت على الإمام الحسين رسائل ووفود من أهلها، يدعون إلى الخروج لمناجزة الظالمين ونصرة الدين.
وقد أظهر الإمام الحسين في خطبه للناس، كما رواها باقر القرشي في "حياة الإمام الحسين"، قوة في الحجة ووضوحًا في تبليغ الحق، محذرًا من الغدر وبيّن أبعاد الحرب ومخاطرها، وحث على الاستعداد لها بعزيمة وصبر، مؤكدًا أن الانصراف عن الحق أو خذلانها سيؤدي إلى الهلاك.
ورغم هذه الدعوات الواضحة، أظهر أهل الكوفة بعد وصول الإمام الحسين ضعفًا، وخيانةً، وعدم وفاء بالعهود، وهو ما أكدته رسائلهم المتكررة التي حملت المسؤولية للإمام، بينما كانت نواياهم في الحقيقة التواطؤ مع الأمويين وخيانة الحق. ويكشف المقال كيف أن الإمام كان على وعي تام بنوايا هؤلاء الغادرين، واعتمد على الصالحين من أصحابه مثل مسلم بن عقيل، وأبو سعيد الخدري، ليعرف صدق البيعة ونية القلوب، ويستعد لمواجهة الظلم رغم الخيانة والخذلان.
ويوضح المقال أن هذه الأحداث التاريخية تعكس بجلاء خيانة فرقة الشيعة الضالة لأهل البيت، مقابل موقف الإمام الحسين القويم في نصرة الحق والصبر على المصائب، مؤكدة أن الولاء لأهل البيت الحقيقي هو بالحق والوفاء، لا بالغلو أو الخيانة كما فعلت فرقة الشيعة في الكوفة.
زحف الإمام للحرب:
وتهيأ الإمام للحرب وقام الخطباء في الكوفة يحفزون الناس للجهاد ويحثونهم على مناجزة معاوية بعدما احرزوه من النصر الكبير في معركة الجمل، وقد خطب فيهم الإمام الحسين (ع) خطابا رائعا ومثيرا، قال فيه بعد حمد الله والثناء عليه: "يا أهل الكوفة أنتم الأحبة الكرماء، والشعار دون الدثار جدوا في إطفاء ما دثر بينكم، وتسهيل ما توعر عليكم إلا أن الحرب شرها ذريع، وطعمها فظيع فمن أخذلها أهبتها واستعد لها عدتها، ولم يألم كلومها قبل حلولها فذاك صاحبها، ومن عاجلها قبل أوان فرصتها واستبصار سعيه فيها فذاك قمن ألا ينفع قومه، وان يهلك نفسه نسال الله بقوته أن يدعمكم بالفيئة.".
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 57 - 58
وجهز معاوية جيشا لاحتلال مصر، وأمر عليه ابن العاص، ولما علم الإمام ذلك أقر محمدا على مصر، ووعده بان يمده بالجيش والمال، واخذ يدعو أهل الكوفة لنجدة إخوانهم في مصر، فلم يستجيبوا له، وجعل الإمام يلح عليهم ويطلب منهم النجدة فاستجاب له جند ضئيل كأنما يساقون إلى الموت فأرسلهم إلى مصر، ولكنه لم يلبث أن وافته الأنباء بان ابن العاص قد احتل مصر، وان عامله محمدا قد قتل وأحرقت جثته في النار، فرد جنده، وخطب أهل الكوفة خطابا مثيرا ندد بهم، ونعى عليهم تخاذلهم وخور عزائمهم. وعلى أي حال فان احتلال مصر قد قوى شوكة معاوية، ودفعه إلى أن يغزو أهل العراق في عقر دارهم.
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 88
عدي بن حاتم مع الحسين:
ولما ابرم أمر الصلح خف عدي بن حاتم ومعه عبيدة بن عمر إلى الإمام الحسين وقلبه يلتهب نارا فدعا الإمام إلى إثارة الحرب قائلا: "يا أبا عبد الله شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل وتركتم الكثير، اطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن، وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف.". فقال الحسين (ع)، " إنا قد بايعنا وعاهدنا ولا سبيل لنقض بيعتنا".
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 116
يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان وفي يزيد منك خلف فاعقد له، فان حدث بك حدث كان كهفا للناس، وخلفا منك، ولا تسفك دماء، ولا تكون فتنة. وأصابت هذه الكلمات الوتر الحساس في قلب معاوية فراح يخادعه مستشيرا في الأمر قائلا: - من لي بهذا؟ - أكفيك أهل الكوفة، ويكفيك زياد أهل البصرة، وليس بعد هذين المصرين أحد يخالف.
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 191
نصيحة الخدري للإمام: وشاعت في الأوساط الاجتماعية أنباء وفود أهل الكوفة على الإمام الحسين (ع) واستنجادهم به لإنقاذهم من ظلم معاوية وجوره، وهذا نص حديثه: "يا أبا عبد الله إني أنا ناصح، واني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة، يدعونكم إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فاني سمعت أباك يقول بالكوفة، والله لقد مللتهم، وأبغضتهم وملوني وأبغضوني، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز به فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم ثبات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف " وليس من شك في أن أبا سعيد الخدري كان من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين وأكثرهم إخلاصا وولاء لأهل البيت، وقد دفعه حرصه على الإمام الحسين، وخوفه عليه من معاوية أن يقوم بالنصيحة له في عدم خروجه على معاوية.
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 231
3 - إقامة الحجة عليه: وقامت الحجة على الإمام لإعلان الجهاد، ومناجزة قوى البغي والإلحاد، فقد تواترت عليه الرسائل والوفود من أقوى حامية عسكرية في الإسلام، وهي الكوفة فكانت رسائل أهلها تحمله المسؤولية أمام الله إن لم يستجب لدعواتهم الملحة لإنقاذهم من عسف الأمويين وبغيهم، ومن الطبيعي أنه لو لم يجيبهم لكان مسؤولا أمام الله، وأمام الأمة في جميع مراحل التاريخ، وتكون الحجة قائمة عليه.
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 275
خطبة سليمان:
واعتلى سليمان بن صرد منصة الخطابة، فافتتح أولى جلساتهم بهذا الخطاب، وقد جاء فيه: "إن معاوية قد هلك، وان حسينا قد قبض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعته، وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وان خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه..". وتعالت أصواتهم من كل جانب وهم يقولون بحماس بالغ: "نقتل أنفسنا دونه..". "لا بل نقاتل عدوه.. ". وأظهروا رغبتهم الملحة ودعمهم الكامل للإمام. حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 331
2 - وقد أرسل الرسالة الثانية جماعة من أهل الكوفة وهذا نصها: "إلى الحسين بن علي من شيعته والمسلمين، أما بعد: فحي هلا فان الناس ينتظرونك ولا رأي لهم غيرك فالعجل ثم العجل والسلام".
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 333
5 - وكتب جمهور أهل الكوفة الرسالة الآتية ووقعوها وهذا نصها: "للحسين بن علي أمير المؤمنين من شيعة أبيه (ع) أما بعد: فان الناس ينتظرونك لا رأي لهم في غيرك العجل العجل يابن رسول الله (ص) لعل الله أن يجمعنا بك على الحق ويؤيد بك المسلمين والإسلام.
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 335
- وكانت آخر الرسائل التي وصلت إليه هذه الرسالة: "عجل القدوم يابن رسول الله فان لك بالكوفة مائة ألف سيف فلا تتأخر " .
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 335, بحار الأنوار 10 / 180
تتابعت كتب أهل الكوفة - كالسيل - إلى الإمام الحسين، وهي تحثه على المسير والقدوم إليهم لإنقاذهم من ظلم الأمويين وعنفهم، وكانت بعض تلك الرسائل تحمله المسؤولية أمام الله والأمة إن تأخير عن إجابتهم. ورأى الإمام - قبل كل شيء - أن يختار للقياهم سفيرا له يعرفه باتجاهاتهم، وصدق نياتهم، فان رأى منهم نية صادقة، وعزيمة مصممة فيأخذ البيعة منهم، ثم يتوجه إليهم بعد ذلك، وقد اختار لسفارته ثقته وكبير أهل بيته، والمبرز بالفضل فيهم مسلم بن عقيل، وهو من أفذاذ التاريخ، ومن أمهر الساسة، وأكثرهم قابلية على مواجهة الظروف، وللصمود أمام الأحداث، وعرض عليه الإمام القيام بهذه المهمة. فاستجاب له عن رضى ورغبة، وزوده برسالة رويت بصور متعددة وهي:
الأولى: رواها أبو حنيفة الدينوري وهذا نصها: "من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا من أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد: فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم وأنا باعث إليكم بأخي وابن عمي، وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم فان كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم إليكم إن شاء الله والسلام.. ".
الثانية: رواها صفي الدين وقد جاء فيها بعد البسملة: "أما بعد فقد وصلتني كتبكم، وفهمت ما اقتضته آراؤكم، وقد بعثت إليكم ثقتي وابن عمي مسلم بن عقيل، وسأقدم عليكم وشيكا في أثره إن شاء الله.. ".
حياة الإمام الحسين لباقر القرشي الجزء الثاني ص 339