عقيدة الخميني في الأئمة ورفعهم فوق الأنبياء
تقوم عقيدة الخميني – كما صرّح بها في كتابه الحكومة الإسلامية – على غلوٍّ صريح في الأئمة، تجاوز حدود التعظيم المشروع إلى رفعهم فوق مقام البشر، بل وفوق مقام الملائكة والرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهذا الانحراف العقدي لم يكن زلّة لسان، ولا رأيًا عابرًا، بل مذهبًا مؤصَّلًا قرّره الخميني نصًّا، واعتبره من “ضروريات المذهب”، وجعل من إنكاره خروجًا عن أصل التشيّع.
ويهدف هذا المقال إلى كشف حقيقة هذه العقيدة كما سطّرها الخميني بيده، دون تحريف ولا اجتزاء، وذلك من خلال نصوص واضحة يثبت فيها للأئمة ما لا يكون إلا لله تعالى من السيطرة التكوينية، والتصرف في الكون، والعصمة المطلقة، والعلم الشامل، والتشريع الدائم، وكونهم حُجج الله على الخلق، بل واعتبارهم أعلى منزلة من الأنبياء والمرسلين. وهي دعاوى تصادم صريح القرآن الكريم، وتنقض أصل النبوة، وتكذّب ما هو معلوم من الدين بالضرورة من أن الأنبياء هم صفوة الخلق وأفضل البشر.
كما يبيّن المقال كيف ترتب على هذا الغلوّ اتهام الرسول ﷺ – ضمنًا – بعدم تبليغ الرسالة كاملة إلا بولاية الأئمة، واعتبار الإمامة ركنًا مكمّلًا للوحي، بل واعتبار إنكارها خيانة للرسالة. ويكشف كذلك الجذور العقدية للحقد الرافضي على الصحابة والخلفاء، بوصفهم – في نظر هذه العقيدة – مغتصبين لحقوق من زُعم أنهم فوق الأنبياء والرسل.
الأئمة – عنده – أفضل من الملائكة والرّسل والأنبياء
لو لم يكن هذا الكلام مسطرا بيد الخميني نفسه لقلنا إنه كذب ولا تصح نسبته إليه، ولكن ما عليكم إلا أن نفتح ص 52من كتاب الحكومة الإسلامية للخميني، طبعة بيروت، ثم نقرأ ما كتبه الرجل في الأئمة، ولنقرأ كلامه أولا، ثم نتأمل فيه، يقول للخميني: (أن للإمام مقاما محمودا، ودرجة سامية، وخلافة تكوينية، تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرّات هذا الكون) ما معنى هذا القول؟ وما الخلافة التكوينية التي تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات الكون؟ أليس في هذا القول رفع الأئمة إلى مقام الربوبية والألوهية، فإننا لا نعرف أحدا غير الله تعالى يرقى إلى هذا المقام.
ولنتابع القراءة في نفس الصفحة، كي نترك الخميني يبين لنا ما عناه بالمقام المحمود والدرجة السامية التي للأئمة، يقول الذين أسموه بآية الله: (وإن من ضروريات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل) ويذكر بعد قليل إنه (قد ورد عن الأئمة قولهم: أن لنا مع الله حالات لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل).
ترى هل هناك غلو شيعي أشد من هذا الغلو الذي سطرته بد الخميني؟! أترى رجلا فيه ذرة من عقيدة صحيحة وإيمان صادق ووعي لما يقول: يقرر أن الأئمة أفضل من الملائكة والرسل والأنبياء، ويقرر أن لهم مقامات لم يبلغها الملائكة المقربون، ولا الأنبياء والمرسلون. أن الخميني هنا يتجرأ على أن يذكر معلوما من الدين بالضرورة وإنكار حقيقة دينية ساطعة كنور الشمس هن أن الرسل والأنبياء أفضل من غيرهم من البشر جميعا.
سبحانك يارب، سبحانك: أن هذا إفك عظيم، ووزر كبير، وتكذيب لكتاب الله. وإذا كان هذا مقام الأئمة بالنسبة للرسل فكيف يكون مقامهم بالنسبة للصحابة والخلفاء الراشدين كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وكيف يكون حال حكام بني أمية وبني العباس معهم، أن ما يبلغنا عن سب الصحابة وشتمهم والحقد عليهم (2). لا بد وإن يكون قد ملأ صدر الخميني الذي يرى أن الأئمة أفضل من الرسل، ذلك إنهم قد هضموا حق الصحابة والخلفاء وقدموا عليهم من هم أدنى منزلة منهم، فهم حكام جور وظلم، وستأتي نصوص الخميني في ذلك.
وإذا كان الأئمة أفضل من الرسل، ومحمد صلى الله عليه وسلم من جملة الرسل (عليهم الصلاة والسلام) إلا يكون في قوله تلميح للعقيدة الشيعية القائلة بأن عليا أولى بالرسالة من محمد، وبأن جبريل قد أخطأ عندما جاء بالرسالة، وكان ينبغي أن يلقيها إلى علي، وإلا فكيف نفسر قوله بأن الأئمة أفضل من الرسل، ونلاحظ هنا أن جميع الأئمة- وليس علينا فقط –هم الأفضل، فكل الأئمة أفضل من الرسل والأنبياء بهذا التعميم.
وتابع معي القراءة لنرى العجاب بقوله الخميني ص52(والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنوارا فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى ما لا يعلمه إلا الله وقد قال جبرائيل – كما ورد في روايات المعراج – لو دنوت أنملة لاحترقت).
أيها القرّاء:
أيها المغترون بباطل هذا الرجل. بالله عليكم فسّروا لنا قوله بعد أن تتأملون فيه وتدققوا في ألفاظه: فكيف كان الأئمة أنوارا قبل خلق العالم وكيف كانوا بعرشه محدقين …؟!! آية خمينية هذه؟! وآية مقاله؟! وآية عقيدة ضالة هذه؟!
ولم يتوقف الخميني عند هذا الحد، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد أثبته لفاطمة كل ما أثبته للأمة ورفع مرتبتها فوق البشر مع أن الله قد خاطب أباها (قل إنما أنا بشر مثلكم).
استمع إليه يتحدث عن فاطمة:
(ومثل هذه المنزلة موجودة لفاطمة الزهراء عليها السلام، لا بمعنى إنها خليفة أو حاكمة أو قاضية، فهذه المنزلة شئ آخر وراء الولاية والخلافة والأمرة. حين نقول أن فاطمة لم تكن قاضية أو حاكمة أو خليفة، فليس بمعنى ذلك تجردها عن تلك المنزلة المقربة، كما لا يعني ذلك إنها أمرأة عادية من أمثال ما عندنا) ص 53 وهذا الذي يقرره الخميني لفاطمة من إنها فوق مستوى البشر يقرره في حق الأئمة، فهو يقول في حق الفقهاء (ص50) (وهذه مهمة شاقة ينوء بها من هو أهل لها، من غير أن ترفعه فوق مستوى البشر) وهو بذلك يثبت للأئمة إنهم فوق مستوى البشر، بطرق مفهوم المخالفة.
أعطى الأئمة صفات الله:
نحن نعتقد في الرسول صلى الله عليه وسلم العصمة، ولكنها عصمة تبليغ الرسالة. فالرسول قد يخطئ في الاجتهاد وفي التطبيق وقد ينسى، وقد عاتبه الله في قضية أسرى بدر، وفي عبوسه في وجه الأعمى، وفي تحريمه العسل على نفسه، ونسى الرسول صلى الله عليه وسلم فصلى رباعية ركعتين.
هذه عقيدتنا في عصمة الرسول صلى الله عليه وسلم، والخميني يقرر عقيدة الشيعة في عصمة الأئمة، فهو يقول في (ص141): (ومن هنا فقد شدد أئمتنا المعصومين …) والعصمة تعني عند أمرا لم تستطع نحن أهل السنة إثباته للرسول صلى الله عليه وسلم.
يقول الخميني في الأمة (91):
(نحن نعتقد أن المنصب الذي منحه لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة، ونعتقد فيهم الإحاطة بكل ما فيه مصلحة المسلمين)!!!
علم الأئمة:
والأئمة على عقيدة الخميني الشيعية، فقد ورثوا الأنبياء في كل الأمور، والنص بهذا التعميم يشير إلى أن عقيدته فيهم إنهم يوحى إليهم!!، وكيف لا، وهم أفضل من الرسل والأنبياء، كيف لا، وقد ورثوا الأنبياء في كل الأمور.
قال الخميني في ص97: (وحتى لو فرضنا أن جملة (العلماء ورثة الأنبياء) واردة في الأئمة على حد ما ورد في بعض الروايات، فلا يراودنا الشك في أن جميع الأمور، لا في الأحكام والعلوم فحسب) ماذا يعني الخميني بقوله (في كل الأمور، لا في الأحكام والعلوم فحسب) أن لم يكن الوحي والعصمة؟!
الله الذي عين الأئمة:
والخميني لم يقف عند القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي نص على تعيين الأئمة، بل يرى أن الله هو الذي أوحى بذلك إلى رسوله أمرا إياه أن يعين عليا خليفة من بعده.
يقول في (ص42): (الرسول الكريم … قد كلمه الله وحيا أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه في الناس، ويحكم هذا فقد اتبع ما أمر به، وعين أمير المؤمنين عليا للخلافة).
ويقول في (ص20): (نعتقد بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استخلف الرسول به بأمر من الله من يقوم من بعد على هذه المهام) والخميني تبعا لذلك يرى (أن الإمام منصوص عليه بالذات) ص 26.
ويذكر لنا الذي أسموه آية الله في (131) أن الرسول(ص) قال للناس (من يكون خليفتي ووصي ووزيري على هذا الأمر؟ فلم ينهض إلا علي ولم يبلغ الحلم حينذاك).
ويذكر في نفس الصفحة أن الرسول(ص) بلغ هذا الأمر الإلهي في غدير خم حيث بلغ الناس بأن عليا أمير المؤمنين وهذا يعني كما يقول الخميني(إنه الحاكم المهيمن الشرعي على شؤون البلاد والعباد) وأكثر من هذا.
فهو يقول في (ص141): (فالملائكة تخضع له، ويخضع له الناس حتى الأعداء منهم، لأنهم يخضعون للحق في قيامه وقعوده وفي كلامه وضمته وفي خطبه وصلواته وحروبه)..
لو لم يبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم هذا لكان خائنا لله:
نحن نرى أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- لم ينص على خلافة أحد من بعده، والخميني يرى أننا نتهم الرسول بالخيانة حين نقول بهذا القول.
يقول في (ص23): (يعتبر الرسول- صلى الله عليه وسلم- لولا تعينه الخليفة من بعده غير مبلغ للرسالة).
الأئمة يكملّون الرسالة:
والنص السابق يقول أن الرسالة تعتبر ناقصة غير كاملة. والذين يكملون نقصها هم الأئمة.
وهو ينص على هذا في (ص19) فيقول: (وكان تعيين الرسول صلى الله عليه وسلم خليفة من بعده، ينفذ القوانين ويحميها ويعدل بين الناس عاملا متمما أو مكملا لرسالته).
كلام الأئمة تشريع دائم ككلام الرسول (ص):
وليس مستغربا أن يقول الخميني ذلك ما دام قد نص على أن الأئمة أفضل من الرسل، فكلام الأئمة عنده دين يتبع في حياتهم وبعد مماتهم...
يقول في (ص90): (نحن نعلم أن أوامر الأمة تختلف عن أوامر غيرهم، وعلى مذهبنا فإن جميع الأوامر الصادرة عن الأمة في حياتهم نافذة المفعول، وواجبة الاتباع حتى بعد وفاتهم).
الأئمة حجة الله على خلقه:
وما دام الأئمة بهذا المقدار وبهذه المنزلة فهم حجة الله على خلقه، ولا يجوز أن نستعجل فنقول لعل هذه الآية الخمينية تريد من قولها بأن الإمام حجة الله – وإنه مبلغ للدين ناشر له، لإنه لم يترك لأحد أن يفهم عنه فهما لا يريده.
فقد فسر مراده ووضحه في (ص78) قال:
(حجة الله تعنى أن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عينه، وأناط به كل تصرف وتدبير من شأنه أن ينفع الناس ويسعدهم، فحجة الله هو الذي عينه الله للقيام بأمور المسلمين، فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين يجب إنفاذها، ولا يسمح بالتخلف عنها في إقامة الحدود وجباية الخمس …).
ويقول الخميني في قوله تعالى: ﴿أن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾.
(أمر الله الرسول أن يرد الأمانة – أي الإمامة- إلى أهلها وهو أمير المؤمنين علي وعليه هو أن يردها إلى من بقيه، وهكذا …).
ويفسّر طاعة أولى الأمر في (ص84) بقوله: (خطاب عام للمسلمين بأمرهم فيه أن يتبعوا أولى الأمر أي الأئمة ويأخذوا عنهم التعاليم ويطيعوا أوأمرهم).
ويقول أيضًا: (أولو الأمر هم الأئمة).