تُظهر دراسة تاريخية لمسيرة خميني السياسية والاجتماعية، وخاصة خلال فترة المنفى وما بعدها، تناقضًا صارخًا بين الأقوال والأفعال. فقد ادعى خميني أنه يهدف فقط إلى نشر الدين والتقوى وإرشاد الناس، مؤكدًا أنه لا يريد السلطة والحكم، وأن دوره مقتصر على الإرشاد الروحي.

لكن الواقع كان مخالفًا تمامًا، إذ بعد عودته إلى إيران سيطر هو ورجاله على المراكز الحساسة في الدولة، وحصر السلطة بيد رجال الدين الموالين له، مستخدمًا سياسات قمعية ضد المعارضين، ومقيّدًا الحريات، ومطاردًا الصحفيين والسياسيين.

ويكشف هذا المقال كيف أن ما كان خميني يروجه من حرية الفكر والرأي والديمقراطية في خطاباته قبل الثورة، تحول إلى واقع مغاير، مليء بالقمع والتنكيل والتصفية السياسية، خصوصًا تجاه أهل السنة والمعارضين السياسيين، مما يوضح ازدواجية السياسة والممارسات في مشروعه الثيوقراطي.

الملالي والحكم:-

كان خميني طوال السنوات التي قضاها خارج إيران يقول: على رجل الدين أن لا يقوم بأي عمل غير نشر التوحيد، والتقوى والتعاليم السماوية وتهذيب الأخلاق (كشف الأسرار لخميني ص 208).

  وأن رجال الدين الشيعة لا يريدون أن يحكموا إيران (من حديث لخميني مع وكالة الأنباء الفرنسية 25 \ 10 \ 1978) إذ سينحصر عمل رجال الدين في إرشاد ومراقبة أعمال وأفعال الحكام (من حديث لخميني لمجلة ايوكا الايطالية ملحق كتاب الحكومة الإسلامية ص 178).

وأنا لا أريد أن أكون زعيماً للجمهورية الإسلامية، ولا أريد تولي السلطة، بل أبقى فقط لإرشاد الناس. (من حديث لخميني مع صحيفة الغارديان البريطانية في 1 \ 1 \ 1978).

إلا أن خميني وقبيل عودته إلى إيران بعد طرده الشاه، قال في كلمة موجهة إلى الشعوب الإيرانية: اعلموا إنه من غير الممكن أن تكون هناك حكومة دون ملالي، فبدون رجال الدين لا تقوم لكم قائمة، وإذا كنتم تريدون إصلاح البلد، فذلك سيتعذر عليكم دون رجال الدين (من تصريحاته في فرنسا بتاريخ 24 \ 11 \ 1978).

 وبعد رجوعه إلى إيران حرص ورجاله على حصر المراكز الحساسة في النظام في قبضة رجال الدين الموالين له، والسائرين في فلكه.

الحريات:
كان الخميني وطوال السنوات التي قضاها في المنفى يطالب بقوة بحرية الفكر والرأي والعقيدة، وكان يعلن عن تأييده وحرصه على حقوق الإنسان، ويتباكى لضياعها في إيران الشاه.

 ومن أقواله في ذلك:

في إيران الإسلامية ستكون جميع الأحزاب حره.. أن مجتمعنا القادم سيكون مجتمعاً متحرراً، وسيتم إنهاء كل أنواع الكبت والقمع والاختناق.

من حديث له مع مجلة ديراشبيغل الألمانية في 7\11\1978 - أن حكومة جمهورية إيران الإسلامية حكومة ديمقراطية بالمعنى الحقيقي يستطيع كل شخص في ظلها التعبير عن رأيه.

من حديث له مع المراسلين الأجانب في فرنسا بتاريخ 9 \ 11 \ 1978.

أن الحكومة التي ندعو إليها حكومة لجمهورية إسلامية قائمة على الديمقراطية والحرية والعدالة، وعندما نقيم هذه الحكومة سيشهد العالم ما هي.

نعم لقد قامت تلك الحكومة المزعومة وشهد العالم، ولكن ماذا شهد غير كبت الحريات، وتكميم الأفواه، وإهدار حقوق الإنسان، وقتل الأبرياء، ونهب الممتلكات، وحل الأحزاب ومطاردة عناصرها وتصفية قيادتها..

 نعم لقد شهد العالم حقاً، والخميني نفسه غير شاهد، استمع إليه يقول:

أن الذين يعتقدون إنهم مثقفون، والذين يصدرون الصحف ويقيمون لجبهات السياسة عليهم أن يتركوا هذه الأعمال، لأننا لا نستطيع أن نعطيهم الحرية، ولا نستطيع أن نمهلهم ولا نسمح به اليوم أبداً لأية نشرة لهؤلاء بأن توزع، وسوف نقضي على جميع مطبوعاتهم. من تصريحاته في قم بتاريخ 18 \ 7 \ 1979.

إنني أوصيكم أيها المعارضون بأن لا تعقدوا الاجتماعات ولا تثرثروا، ولا توزعوا المنشورات أن تجرأتم، وأخرجتم رؤوسكم سأصفعكم على وجوهكم. من تصريحاته في قم بتاريخ 22 \ 10 \ 1979.

ونحن بدورنا لا يسعنا إلا أن نهنى الشعوب الإيرانية على هذه الحرية التي متعهم بها خميني في ظل حكومته الديمقراطية جداً، ونتساءل في الوقت ذاته: لم استبدل خميني الصفع على الوجه بالصفع على القفا، وبالتعليق على أعمدة الكهرباء؟