الشرك والغلو عند الخميني
يُعدّ توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة أصلَ الدين وأساسَ النجاة، ولا يقوم الإسلام إلا على تحقيقه ونفي الشرك بجميع صوره الظاهرة والخفية. غير أن المتأمل في فكر روح الله الخميني، المرجع الأكبر للرافضة في العصر الحديث، يقف على انقلابٍ خطير في المفاهيم، حيث لم يعد الشرك عنده صرف العبادة لغير الله، ولا الطواف بالقبور، ولا الاستغاثة بالأموات، بل صار الشرك – في تصوره – مرتبطًا بالسلطة والحكم، لا بالعقيدة والعبادة.
ويكشف هذا المقال حقيقة مفهوم الشرك عند الخميني، كما قرره في كتبه، حيث جعل كل نظام لا يخضع لسلطة مذهبه شركًا، وكل حاكم من غير طائفته طاغوتًا، وكل مجتمع لا يدين بولاية أئمته مجتمعًا مشركًا، مع إقراره العملي والاعتقادي بأخطر مظاهر الشرك، من تعظيم القبور، وتقديم القرابين للأموات، والغلو في الأشخاص حتى حدّ الحلول والاتحاد.
كما يسلّط المقال الضوء على الجذور الصوفية الغالية التي تأثر بها الخميني، ولا سيما عقيدة الحلول ووحدة الوجود، والتي تلقّاها عن ابن عربي وأتباعه، وطبّقها على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في صورة تأليه صريح يناقض التوحيد الذي جاء به النبي ﷺ، ويكشف أن هذا الفكر ليس انحرافًا جزئيًا، بل منظومة شركية متكاملة تُخرج أصحابها عن الإسلام إلى الضلال.
حقيقة الشرك عند الخميني:
إذا كان شرك المشركين ليس بشرك عند الخميني فما هو يا ترى الشرك عنده؟
يقول: (توجد نصوص كثيرة تصف كل نظام غير إسلامي بإنه شرك، والحاكم أو السلطة فيه طاغوت، ونحن مسؤولون عن إزالة آثار الشرك من مجتمعنا المسلم، ونبعدها تماماً عن حياتنا).
الحكومة الإسلامية ص 33 - 34.
هذا هو مفهوم الشرك عنده وهو أن يتولى على بلاد المسلمين أحد من أهل السنة فحاكمها حينئذ مشرك وأهلها مشركون.
ولذلك نرى الشرك ومظاهره في بلاد الرافضة من الطواف حول القبور وتقديم القرابين لها واعتقاد النفع والضر في الأموات!
الغلو في التصوف (أو القول بالحلول والاتحاد):
وتتمثل نظرة الخميني لصورة التصوف في أوضح مظاهرها في كتابه (مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية)، وإليكم بعضاً من هذا الكتاب وما فيه:
1 - قوله بالحلول الخاص:
يقول الخميني عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: خليفته (يعني خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم) القائم مقامه في الملك والملكوت، المتحد بحقيقته في حضرت الجبروت واللاهوت، أصل شجرة طوبى، وحقيقة سدرة المنتهى، الرفيق الأعلى في مقام أو أدنى، معلم الوحانيين، ومؤيد الأنبياء والمرسلين علي أمير المؤمنين).
مصباح الهداية ص 1.
انظر إلى قوله هذا الذي هو بعينه قول النصارى الذين قالوا باتحاد اللاهوت بالناسوت، ومن قبل زعمت غلاة الرافضة أن الله حلَّ في علي ولا تزال مثل هذه الأفكار الغالية والإلحادية تعشعش في أذهان هؤلاء الشيوخ كما ترى.
ومن هذا المنطلق نسب الخميني الهالك إلى علي قوله: (كنت مع الأنبياء باطناً ومع رسول الله ظاهراً).
مصباح الهداية ص 142.
ويعلق عليه الخميني قائلاً:
(فإنه عليه السلام صاحب الولاية المطلقة الكلية والولاية باطن الخلافة.. فهو عليه السلام بمقام ولايته الكلية قائم على كل نفس بما كسبت، ومع الأشياء معية قيومية ظلية إلهية ظل المعية القيومية الحقة الإلهية، إلا أن الولاية لما كانت في الأنبياء أكثر خصهم بالذكر).
مصباح الهداية ص 142.
أنظروا كيف يعلق الخميني على تلك الكلمة الموغلة في الغلو والمنسوبة زوراً لأمير المؤمنين بما هو أشد منها غلواً وتطرفاً فهو عنده ليس قائماً على الأنبياء فحسب بل على كل نفس. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ويقول تحت قوله تعالى ﴿يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون﴾ قال: (أي ربكم الذي هو الإمام).
مصباح الهداية ص 145.
وهذا الكلام تأليه صريح لعلي رضي الله عنه ولو كان علي موجوداً لأحرقهم بالنار ولقتلهم أشد قتلة كما فعل بأسلافهم.
2 - قوله بالحلول والاتحاد الكلي:
وتجاوز الخميني مرحلة القول بالحلول الجزئي، أو الحلول الخاص بعلي إلى القول بالحلول العام، وانظروا ماذا يقول بعد أن تحدث عن التوحيد ومقاماته حسب تصوره: (النتيجة لكل المقامات والتوحيدات عدم رؤية فعل وصفة حتى من الله تعالى ونفي الكثرة بالكلية وشهود الوحدة الصرفة..).
مصباح الهداية ص 134.
ثم ينقل عن أحد أئمته إنه قال: (لنا مع الله حالات هو هو ونحن نحن، وهو نحن، ونحن هو).
مصباح الهداية ص 114.
ثم يعلق بقوله: (وكلمات أهل المعرفة خصوصاً الشيخ الكبير محي الدين مشحونة بأمثال ذلك مثل قوله: الحق خلق، والخلق حق، والحق حق، والخلق خلق).
ثم نقل جملة من كلام شيخه وإمامه ابن عربي (النكرة) الملحد الهالك، وقال: (لا ظهور ولا وجود إلا له تبارك وتعالى والعالم خيال عند الأحرار).
مصباح الهداية ص 123.
والخميني الهالك تراه يستدل كثيراً على مذهبه بأقوال ابن عربي الملحد الوجودي والذي يصفه بالشيخ الكبير (مصباح الهداية، ص 84، 94، 112 على سبيل المثال لا الحصر)
و بهذا يتبين لنا أن الخميني قد ورث عقيدة الحلول من أئمته ابن عربي والقونوي وكلاهما من دعاة وحدة الوجود ومن الصوفية الغلاة وقد أفتى كثير من أهل العلم بكفر ابن عربي حتى ألف فيه مؤلف للإمام برهان الدين البقاعي بعنوان (تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي).