الائمة خلقوا قبل الملائكة
يُعدّ الإيمان بالملائكة جزءًا أصيلًا من أركان العقيدة، وقد بيّن القرآن الكريم والسنة الصحيحة حقيقة الملائكة، وخلقهم، ووظيفتهم، ومنزلتهم، وأثبت أنهم عباد مكرمون لا يسبقون الله بالقول وهم بأمره يعملون. كما قرّر الإسلام أن التفاضل بين الخلق لا يُثبت إلا بدليلٍ صحيحٍ صريح من الوحي، وأن الخوض في شؤون الغيب بغير علم من أعظم أبواب الضلال.
غير أن المتأمل في التراث العقدي للشيعة الإمامية يقف على انحرافٍ خطير يتمثل في رفع الأئمة إلى مراتب تتجاوز مقام الأنبياء والملائكة، بل وجعلهم أصل الخلق، وسبب إيجاد السماوات والأرض، ومعلّمي الملائكة التوحيد، وخَدَمًا لهم، كما صرّح بذلك الخميني في كتابه مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية، ناقلًا رواية طويلة تنسب إلى النبي ﷺ ما يقتضي تفضيل الأئمة على الملائكة، وسبقهم في الخلق، بل وتعليل خلق آدم وسجود الملائكة له بكون الأئمة في صلبه.
إن هذه المقولات لا تمثل مجرد مبالغة في المحبة، بل تؤسس لعقيدة باطنية غالية تهدم أصل التوحيد، وتنقل مقام الألوهية والربوبية تدريجيًا إلى الأئمة، وتجعلهم محور الخلق والأمر، وهو ما يخرج عن الإسلام جملةً وتفصيلًا. ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال في كشف حقيقة هذه العقيدة، وبيان جذورها، وفضح ما فيها من مخالفة صريحة للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.
وممّا يرشدك إلى ما ذكرنا، حقّ الإرشاد، ويهديك كمال الهداية إلى الطريق السداد، ما حدّثه صدوق الطائفة، «156» رضوان الله عليه، في عيون أخبار الرضا (ع) بإسناده عن مولانا وسيّدنا، علي بن موسى الرضا، عليه آلاف التحيّة والثناء عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب، عليهم السلام، قال:
قال رسول الله، صلَّى الله عليه وآله:
ما خلق الله أفضل منّي ولا أكرم عليه منّي. قال عليّ، عليه السّلام، فقلت: يا رسول الله، فأنت أفضل، أم جبرئيل (ع)؟
فقال: يا عليّ، أن الله، تبارك وتعالى، فضّل أنبياءه المرسلين على ملائكته المقرّبين، وفضّلني على جميع النبيّين والمرسلين. والفضل بعدي لك، يا عليّ، وللأئمّة من بعدك. وإنّ الملائكة لخدّامنا وخدّام محبّينا. يا عليّ، الَّذين يحملون العرش ومن حوله يسبّحون بحمد ربّهم ويستغفرون للَّذين آمنوا بولايتنا.
يا عليّ، لولا نحن، ما خلق الله آدم. عليه السّلام ولا حوّاء ولا الجنّة والنار ولا السّماء والأرض.
فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم إلى معرفة ربّنا وتسبيحه وتهليله وتقديسه؟
لأنّ اوّل ما خلق الله، عزّ وجلّ، أرواحنا فأنطقها بتوحيده وتمجيده. ثمّ، خلق الملائكة. فلمّا شاهدوا أرواحنا نورا وأحدا، استعظمت أمرنا فسبّحنا، لتعلم الملائكة أنّا خلق مخلوقون، وإنه منزّه عن صفاتنا فسبّحت الملائكة بتسبيحنا ونزّهته عن صفاتنا.
فلمّا شاهدوا عظم شأننا، هلَّلنا، لتعلم الملائكة أن لا إله إلا الله، وأنّا عبيد، ولسنا بالآلهة يجب أن نعبد معه أو دونه.
فقالوا: «لا إله إلا الله.» فلمّا شاهدوا كبر محلَّنا، كبّرنا، لتعلم الملائكة أن الله تعالى أكبر من أن ينال عظم المحلّ إلا به. فلمّا شاهدوا ما جعله الله لنا من العزّ والقوّة، قلنا: «لا حول ولا قوّة إلا باللَّه.» لتعلم الملائكة أن لا حول لنا ولا قوّة إلا باللَّه.
فلمّا شاهدوا ما أنعم الله به علينا وأوجبه لنا من فرض الطاعة، قلنا: «الحمد لله.» لتعلم الملائكة ما يحقّ لله تعالى ذكره علينا من الحمد على نعمه فقالت الملائكة:
«الحمد لله.» فبنا اهتدوا إلى معرفة توحيد الله، عزّ وجلّ، وتسبيحه وتهليله وتحميده وتمجيده ثمّ، أن الله، تبارك وتعالى، خلق آدم (ع) فأودعنا صلبه وأمر الملائكة بالسّجود له تعظيما لنا وإكراما. وكان سجودهم لله عزّ وجلّ، عبوديّة، ولآدم إكراما وطاعة، لكوننا في صلبه. فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سجدوا لآدم كلَّهم أجمعون؟
وإنه لمّا عرج بي إلى السّماء، أذّن جبرئيل، عليه السّلام، مثنى مثنى وأقام مثنى مثنى. ثمّ قال لي: تقدّم، يا محمّد. فقلت له: يا جبرئيل، أتقدّم عليك؟ فقال: نعم.
إنّ الله، تبارك وتعالى، فضّل أنبيائه على ملائكته أجمعين، وفضّلك خاصّة.
قال: فتقدّمت، فصلَّيت بهم، ولا فخر.
فلمّا انتهيت إلى حجب النّور، قال لي جبرئيل: تقدّم، يا محمّد. وتخلَّف عنّي. فقلت: يا جبرئيل، في مثل هذا الموضع تفارقني؟ فقال: يا محمّد، أن انتهاء حدّي الَّذي وضعني الله، عزّ وجلّ، فيه إلى هذا المكان فإن تجاوزته، احترقت أجنحتي بتعدّي حدود ربّي، جلّ جلاله. فزخّ بي في النور زخّة، فزجّ بي في النور زجّة، حتّى انتهيت إلى ما شاء الله من علوّ ملكه.
فنوديت: يا محمّد.
فقلت: لبّيك ربّي وسعديك، تباركت وتعاليت.
فنوديت: يا محمّد، أنت عبدي، وأنا ربّك، فإيّاي فاعبد وعليّ فتوكَّل. فإنّك نوري في عبادي، ورسولي إلي خلقي، وحجّتي علي بريّتي. لك ولمن تبعك خلقت جنّتي ولمن خالفك خلقت ناري ولأوصيائك أوجبت كرامتي ولشيعتهم أوجبت ثوابي. فقلت: يا ربّ ومن أوصيائي؟ فنوديت يا محمّد، أوصياؤك المكتوبون على ساق العرش. فنظرت، وأنا بين يدي ربّي جلّ جلاله، إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نورا في كلّ نور سطر أخضر عليه اسم وصيّ من أوصيائي أوّلهم عليّ بن أبي طالب وآخرهم مهديّ أمتي. فقلت: يا ربّ، هؤلاء أوصيائي بعدي؟ فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي وأحبّائي وأصفيائي وحججي بعدك علي بريّتي. وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك. وعزّتي وجلالي، لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهّرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي.
ولأملَّكنّه مشارق الأرض ومغاربها ولأسخّرنّ له الرياح ولأذللنّ له السحاب الصّعاب ولأرقّينّه في الأسباب ولأنصرنّه بجندي ولأمدّنّه بملائكتي حتّى يعلن دعوتي ويجمع الخلق على توحيدي. ثمّ، لأديمنّ ملكه، ولأداولنّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة. «157»
تمّ الحديث الشريف.
ولقد نقلته بطوله مع بناء هذه الرسالة على الاختصار، للتبرّك والتيمّن وزيادة الفائدة والبصيرة. وها أنا أشرح بعض فقراته الراجعة إلى المقام مع الإيجاز والاختصار وأرجو التوفيق من الحقّ المختار.
مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية للخميني ص 75