تتجلى في تراث الإمامية صور واضحة للغلو العقدي، حيث تمتلئ كتبهم المعتمدة بروايات أسطورية تتعلق بقبر الحسين بن علي (عليهما السلام). فالروايات تزعم أن أعدادًا هائلة من الملائكة – تتراوح بين أربعة آلاف وسبعين ألفًا وألف ألف – يبكون الحسين باستمرار، ويحرسون قبره، ويستقبلون الزائرين، بل ويصلحون زيارتهم لتكون حجًا وعمرة، ويستغفرون لهم، ويشهدون جنازتهم، ويمنحونهم الثواب العظيم.

ولا يقتصر الأمر على هذه الأرقام الخيالية، بل تمتد إلى وصف حركات الملائكة، وكيفية نزولهم وصعودهم، وبكائهم المتواصل منذ طلوع الفجر حتى زوال الشمس، مع تواصلهم مع الحفظة وأهل الحائر، وإشراك شخصيات أخرى أسطورية في هذه المشاهد، في تعظيم أركان الولاية وغلوهم حتى تجاوز حدود العقل والعقيدة الصحيحة.

إن هذه الروايات تشكل نموذجًا صارخًا لتحويل العباد إلى مجرد وسائط للغلو، وإقحام الملائكة – وهم عباد مكرمون – في أفعال أسطورية لا صحة لها، مخالفة للقرآن والسنة، وتعكس بوضوح انحراف الإمامية عن التوحيد والاعتقاد الصحيح، حيث تُرفع المخلوقات على مرتبة مفرطة مقارنة بالمقصود بالعبادة الحقيقية: الله وحده.

بكاء الملائكة على الحسين بن علي (عليهما السلام)

[237] 17 - وحدثني أبي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد ابن عيسى، عن أبيه، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: وكل الله بقبر الحسين (عليه السلام) سبعين ألف ملك شعثا غبرا يبكونه إلى يوم القيامة يصلون عنده، الصلاة الوأحدة من صلاتهم تعدل ألف صلاة من صلاة الآدميين، يكون ثواب صلاتهم واجر ذلك لمن زار قبره (2).

[238] 18 - وحدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن صفوان بن يحيى، عن حنان بن سدير، عن مالك الجهني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: أن الله وكل بالحسين (عليه السلام) ملكا في أربعة آلاف ملك، يبكونه ويستغفرون لزواره ويدعون الله لهم (3).

[239] 19 - حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، قال: حدثنا الهيثم بن واقد، عن عبد الملك بن مقرن (1)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا زرتم أبا عبد الله (عليه السلام) فالزموا الصمت إلا من خير، وان ملائكة الليل والنهار من الحفظة تحضر الملائكة الذين بالحائر فتصافحهم فلا يجيبونها من شدة البكاء فينتظرونهم حتى تزول الشمس وحتى ينور الفجر، ثم يكلمونهم ويسألونهم عن أشياء من أمر السماء، فأما ما بين هذين الوقتين فإنهم لا ينطقون ولا يفترون عن البكاء والدعاء، ولا يشغلونهم في هذين الوقتين عن أصحابهم، فإنما شغلهم بكم إذا نطقتم.

قلت: جعلت فداك وما الذي يسألونهم عنه وأيهم يسأل صاحبه الحفظة أو أهل الحائر، قال: أهل الحائر يسألون الحفظة، لان أهل الحائر من الملائكة لا يبرحون والحفظة تنزل وتصعد.

قلت: فما ترى يسألونهم عنه، قال: إنهم يمرون إذا عرجوا بإسماعيل صاحب الهواء، فربما وافقوا النبي (صلى الله عليه وسلم) وعنده فاطمة والحسن والحسين والأئمة، من مضى منهم، فيسألونهم عن أشياء وعمن حضر منكم الحائر ويقولون: بشروهم بدعائكم، فتقول الحفظة: كيف نبشرهم وهم لا يسمعون كلامنا، فيقولون لهم: باركوا عليهم وادعوا لهم عنا، فهي البشارة منا، فإذا انصرفوا فحفوهم بأجنحتكم، حتى يحسوا مكانكم، وانا نستودعهم الذي لا تضيع ودائعه.

ولو يعلموا ما في زيارته من الخير ويعلم ذلك الناس لاقتتلوا على زيارته بالسيوف، ولباعوا أموالهم في اتيإنه، وان فاطمة (عليها السلام) إذا نظرت إليهم ومعها ألف نبي وألف صديق وألف شهيد ومن الكروبيين ألف ألف يسعدونها على البكاء، وإنها لتشهق شهقة، فلا تبقى في السماوات ملك الا بكى رحمة لصوتها، وما تسكن حتى يأتيها النبي (صلى الله عليه وسلم) فيقول: يا بنية قد أبكيت أهل السماوات وشغلتهم عن التسبيح والتقديس فكفي حتى يقدسوا، فان الله بالغ أمره، وإنها لتنظر إلى من حضر منكم، فتسأل الله لهم من كل خير، ولا تزهدوا في اتيإنه، فان الخير في اتيإنه أكثر من أن يحصى (1).

[240] 20 - وحدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد البصري، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، قال: حدثنا أبو عبيدة البزاز (2)، عن حريز، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك ما أقل بقاؤكم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض مع حاجة هذا الخلق إليكم، فقال:

ان لكل وأحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته، فإذا انقضى ما فيها مما أمر به عرف أن أجله قد حضر، وأتاه النبي (صلى الله عليه وسلم) ينعى إليه نفسه وأخبره بما له عند الله، وان الحسين (عليه السلام) قرأ صحيفته

التي اعطيها وفسر له ما يأتي وما يبقى، وبقي منها أشياء لم تنقض، فخرج إلى القتال.

فكانت تلك الأمور التي بقيت أن الملائكة سألت الله في نصرته، فاذن لهم، فمكثت تستعد للقتال وتأهبت لذلك حتى قتل، فنزلت الملائكة وقد انقطعت مدته وقتل (عليه السلام)، فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا بالانحدار وأذنت لنا في نصرته فانحدرنا وقد قبضته، فأوحى الله تبارك وتعالى إليهم أن الزموا قبته حتى ترونه وقد خرج فانصروه، وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته، وأنكم خصصتم بنصرته والبكاء عليه، فبكت الملائكة حزنا وجزعا على ما فاتهم من نصرة الحسين (عليه السلام)، فإذا خرج (عليه السلام) يكونون أنصاره (1).

كامل الزيارات - لجعفر بن محمد بن قولويه ص 171 - الباب (27)