تُعدّ مسألة الخُمس من أخطر القضايا التي تكشف الانحراف العقدي والتشريعي عند الشيعة الإمامية؛ إذ لم يقف الأمر عند حدود الخلاف الفقهي، بل تجاوز ذلك إلى تحريف دلالة النص القرآني، وإعادة توظيفه لخدمة عقيدة الإمامة، وتحويل حكمٍ شرعيٍّ مرتبط بالغنائم والجهاد إلى ريعٍ مالي دائم يُصرف لطبقة مخصوصة بزعم القرابة والاصطفاء.
فالآية الكريمة في سورة الأنفال جاءت بنصٍّ واضحٍ في بيان مصارف الخمس، مقرونة بسياق الغنائم، ومقيّدة بحضور النبي ﷺ وتصرّفه، دون أن تتضمن أي إشارة إلى توريث هذا الحق أو دوامه بعد وفاته، فضلاً عن ربطه بأشخاص غائبين أو أئمة مزعومين. غير أنّ الروايات المعتمدة في كتب الإمامية أعادت تفسير الآية تفسيرًا باطنيًا، فجعلت سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى سهمًا واحدًا يُسلَّم للإمام وحده، ثم خصّت بقية الأسهم بآل البيت دون سائر فقراء المسلمين.
وتُظهر النصوص المنقولة عن أئمتهم – كما في روايات أبي جعفر، وأبي عبد الله، والرضا، وغيرهم – أن الخمس عندهم ليس حكمًا ماليًا مؤقتًا، بل نظامًا دائمًا يقوم على الاحتكار العائلي، ويُقدَّم على أنه تعويض إلهي عن تحريم الصدقة، مع أن هذا الزعم يخالف عموم النصوص الشرعية، ويصادم عمل النبي ﷺ والخلفاء من بعده، ويُناقض مقاصد الشريعة في العدل وتكافؤ الحقوق.
ويهدف هذا المقال إلى تفكيك التصور الشيعي للخمس من خلال عرض رواياتهم نفسها، وبيان التناقضات الداخلية فيها، والكشف عن كيفيّة انتقال الخمس من حكمٍ شرعيٍّ محدد إلى أداة مالية لتكريس الإمامة والغلو في آل البيت، في مسارٍ يبتعد عن هدي القرآن والسنة، ويؤكد أن ما عليه الإمامية في هذا الباب ليس اجتهادًا فقهيًا معتبرًا، بل انحرافٌ عقدي وتشريعي واضح.
قالوا: يقسم الخمس ستة أقسام:
فنصفه - وهو سهم الله وسهم رسوله وسهم ذي القربى - للإمام خاصة، ونصفه للثلاثة، فسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
ومن رواياتهم في الباب:
عن أبي عبد الله عليه السلام إنه سأله عن قول الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] فقال: «أما خمس الله عز وجل فللرسول يضعه في سبيل الله، وأما خمس الرسول فلأقاربه وخمس ذوي القربى فهم أقربائه وحدها، واليتامى يتامى أهل بيته، فجعل هذه الأربعة أسهم فيهم، وأما المساكين وابن السبيل فقد عرفت أنا لا نأكل الصدقة ولا تحل لنا فهي للمساكين وأبناء السبيل»[1].
وعنه في قول الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِوَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41] قال: «خمس الله للإمام، وخمس الرسول للإمام، وخمس ذوي القربى لقرابة الرسول الإمام، واليتامى يتامى الرسول، والمساكين منهم، وأبناء السبيل منهم، فلا يخرج منهم إلى غيرهم»[2].
وعنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه المغنم أخذ صفوه وكان ذلك له، ثم يقسم ما بقي خمسة أخماس ويأخذ خمسه ثم يقسم أربعة أخماس بين الناس الذين قاتلوا عليه، ثم قسم الخمس الذي أخذه خمسة أخماس يأخذ خمس الله عز وجل لنفسه، ثم يقسم الأربعة أخماس بين ذوي القربى واليتامى والمساكين وأبناء السبيل يعطى كل واحد منهم حقاً، وكذلك الإمام أخذ كما أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم»[3].
وعن سليم بن قيس قال:
سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: «نحن والله الذين عنى الله بذي القربى والذين قرنهم الله بنفسه وبنبيه فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أهل الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر: 7] منا خاصة، ولم يجعل لنا سهماً في الصدقة، أكرم (الله) نبيه وأكرمنا أن يطعمنا أوساخ ما في أيدي الناس»[4].
وعن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41]قال: «هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخمس لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولنا»[5].
وعن الرضا عليه السلام قال:
سئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] فقيل له: «فما كان لله فلمن هو؟ فقال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فهو للإمام»[6].
وعن العبد الصالح عليه السلام قال:
«الخمس من خمسة أشياء: من الغنائم والغوص ومن الكنوز ومن المعادن والملاحة، يؤخذ من كل هذه الصنوف الخمس فيجعل لمن جعله الله له، ويقسم الأربعة الأخماس بين من قاتل عليه وولي ذلك، ويقسم بينهم الخمس على ستة أسهم: سهم لله، وسهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فسهم الله وسهم رسول الله لأولي الأمر من بعد رسول الله وراثة، وله ثلاثة أسهم: سهمان وراثة، وسهم مقسوم له من الله، وله نصف الخمس كملا، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم وسهم لأبناء سبيلهم، يقسم بينهم على الكتاب والسنة (الكفاف والسعة) إلى أن قال: وإنما جعل الله هذا الخمس لهم خاصة دون مساكين الناس وأبناء سبيلهم عوضاً لهم من صدقات الناس تنزيلها من الله لهم لقرابتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكرامة من الله لهم عن أوساخ الناس، فجعل لهم خاصة من عنده ما يغنيهم به عن أن يصيرهم في موضع الذل والمسكنة، ولا بأس بصدقات بعضهم على بعض، وهؤلاء الذين جعل الله لهم الخمس هم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين ذكرهم الله فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]وهم بنو عبد المطلب أنفسهم الذكر منهم والأنثى، ليس فيهم من أهل بيوتات قريش ولا من العرب أحد، ولا فيهم ولا منهم في هذا الخمس من مواليهم، وقد تحل صدقات الناس لمواليهم وهم والناس سواء، ومن كانت أمه من بني هاشم وأبوه من ساير قريش فإن الصدقات تحل له وليس له من الخمس شيء، لأن الله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5].
إلى أن قال: وليس في مال الخمس زكاة؛ لأن فقراء الناس جعل أرزاقهم في أموال الناس على ثمانية أسهم، فلم يبق منهم أحد، وجعل للفقراء قرابة الرسول صلى الله عليه وسلم نصف الخمس فأغناهم به عن صدقات الناس وصدقات النبي صلى الله عليه وسلم وولي الأمر، فلم يبق فقير من فقراء الناس ولم يبق فقير من فقراء قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وقد استغنى فلا فقير، ولذلك لم يكن على مال النبي والولي زكاة، لإنه لم يبق فقير محتاج، ولكن عليهم أشياء تنوبهم من وجوه، ولهم من تلك الوجوه كما عليهم»[7].
وفي رواية:
«الخمس من خمسة أشياء إلى أن قال: فأما الخمس فيقسم على ستة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله، فرسول الله أحق به فهو له خاصة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجة في زمانه، فالنصف له خاصة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد عليهم السلام الذين لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس الحديث» [8].
وعنه أيضاً (في حديث طويل) قال:
«وأما الثامنة فقول الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41] فقرن سهم ذي القربى مع سهمه وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قال: فبدء بنفسه ثم برسوله ثم بذي القربى، فكل ما كان من الفيء والغنيمة وغير ذلك مما رضيه لنفسه فرضيه لهم إلى أن قال: وأما قوله: ﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ فإن اليتيم إذا انقطع يتمه خرج من الغنائم ولم يكن له فيها (منها) نصيب، وكذلك المسكين إذا انقطعت مسكنته لم يكن له نصيب من الغنم ولا يحل له أخذه، وسهم ذي القربى قائم إلى يوم القيامة فيهم للغني والفقير؛ لإنه لا أحد أغنى من الله ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل لنفسه منها سهماً، ولرسوله سهماً، فما رضيه لنفسه ولرسوله رضيه لهم، وكذلك الفيء ما رضيه منه لنفسه ولنبيه رضيه لذي القربى إلى أن قال: فلما جاءت قصة الصدقة نزه نفسه ورسوله ونزه أهل بيته فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الآية، ثم قال: فلما نزه نفسه عن الصدقة ونزه رسوله ونزه أهل بيته لا بل حرم عليهم؛ لأن الصدقة محرمة على محمد واله وهي أوساخ أيدي الناس لا تحل لهم لأنهم طهروا من كل دنس ووسخ»[9].
وعن علي عليه السلام قال:
«الخمس يجري (يخرج) من أربعة وجوه:
من الغنائم التي يصيبها المسلمون من المشركين، ومن المعادن، ومن الكنوز، ومن الغوص، ويجري هذا الخمس على ستة أجزاء، فيأخذ الإمام منها سهم الله وسهم الرسول وسهم ذي القربى، ثم يقسم الثلاثة السهام الباقية بين يتامى آل محمد ومساكينهم وأبناء سبيلهم»[10].
وعن محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: «سألته عن قول الله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41]، قال: هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته: منهم اليتامى والمساكين وابن السبيل؟ قال: نعم»[11].
وعن إسحاق، عن رجل قال:
سألت أبا عبد الله عليه السلام عن سهم الصفوة، فقال: «كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أخماس للمجاهدين والقوام، وخمس يقسم فيه سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نقول: هو لنا، والناس يقولون: ليس لكم، وسهم لذي القربى وهو لنا، وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وأبناء السبيل يقسمه الإمام بينهم، فإن أصابهم درهم درهم لكل فرقة منهم نظر الإمام بعد فجعلها في ذي القربى، قال: يردها إلينا»[12].
[1] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/125)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/355)، مدارك الأحكام، للعاملي (5/398)(ش)، كتاب الخمس، للأنصاري (293)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/561)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (2/157).
[2] مختلف الشيعة، للحلي (3/331)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/370)، تهذيب الأحكام، للطوسي (4/125)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/356)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/561)، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني (1/439)، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني (2/304)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (2/157).
[3] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/128)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/356)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/563، 614)، مختلف الشيعة، للعلامة الحلي (3/326)، المهذب البارع، لابن فهد الحلي (1/561)(ش).
[4] المقنعة، للمفيد (277)، الكافي، للكليني (1/539)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/357)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/225)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (3/369)، التفسير الأصفى، للفيض الكاشاني (2/1284)، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني (2/304) (5/156) (7/151)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (5/278).
[5] الكافي، للكليني (1/539)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/357)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/387)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/560)، موسوعة أحاديث أهل البيت (ع)، لهادي النجفي (3/370) (5/13) (8/206).
[6] الكافي، للكليني (1/544)، تهذيب الأحكام، للطوسي (4/126)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/357، 362)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/562، 590)، مسند الإمام الرضا (ع)، لعزيز الله عطاردي (1/336) (2/211)، الحدائق الناضرة، للبحراني (12/371)، 379).
[7] شرح أصول الكافي، للمازندراني (7/394)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/358)، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، للمنتظري (3/107)، تهذيب الأحكام، للطوسي (4/128)، الخمس، لمرتضى الحائري (464) (ش).
[8] تهذيب الأحكام، للطوسي (4/127)، الحدائق الناضرة، للمحقق البحراني (12/370)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/359)، الخمس، للمرتضى الحائري (465) (ش)، مصباح الفقيه، آقا رضا الهمداني (3/144).
[9] الكافي، للكليني (1/539)، الحدائق الناضرة، للمحقق البحراني (12/387)، عيون أخبار الرضا (ع)، للصدوق (2/215)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/361)، تفسير نور الثقلين، للحويزي (2/159، 234)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/560).
[10] مصباح الفقيه، آقا رضا الهمداني (3/144)، جامع المدارك، للخوانساري (2/128)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/361).
[11] مصباح الفقيه، لآقا رضا الهمداني (3/145)، وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/361).
[12] وسائل الشيعة، للحر العاملي (6/362)، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي (8/571).