شكّل الاعتقاد بوجود الإمام المعصوم الغائب محورًا أساسيًا في تشكيل المنهج العقدي والفقهي عند الشيعة الإمامية، وكان له الأثر الأكبر في تعطيل الاجتهاد ورفض القياس وسائر أدوات الاستنباط المعروفة عند أهل السنة وبقية المذاهب الإسلامية. وقد ترتب على هذا التصور حصرُ وظيفة العلماء الأوائل في جمع الروايات ونقلها دون إعمال للنظر أو تنزيل للنوازل، بدعوى كفاية النصوص الواردة عن الأئمة في تدبير شؤون الدين والدنيا خلال زمن الغيبة.

غير أن طول أمد الغيبة، وتغيّر الواقع السياسي والاجتماعي، كشف عجز المنهج الإخباري عن مواكبة المستجدات، فبدأ تحوّل تدريجي داخل المدرسة الإمامية نحو تبنّي المنهج الأصولي، ثم الانتقال من مجرد إجازة الاجتهاد إلى منح الفقيه صفة النيابة العامة، وصولًا إلى صياغة نظرية ولاية الفقيه بوصفها حلًا سياسيًا وعقديًا لأزمة غياب الإمام.

ويهدف هذا المقال إلى تتبّع هذا التحول التاريخي والفكري، وبيان الشبهات الروائية والعقلية التي استُدل بها على ولاية الفقيه، وتحليل مدى صحتها من حيث الدلالة والسياق، مع كشف الإلزامات العقدية والفقهية التي تترتب على القول بالولاية المطلقة، وكيف مثّلت هذه النظرية خروجًا عمليًا عن التصور الإمامي التقليدي للإمامة والغيبة.

  كان وجود الإمام المعصوم عند الشيعة من الدوافع الرئيسة للإستغناء عن الإجتهاد وسائر ما يتعلق به من مصادر التشريع الأخرى المتعارف عليها عند أهل السنة وبقية المذاهب كالقياس وغيره، وكذلك رد أي صورة من صور النيابة عن المعصوم، بل ومحاربة هذه المسائل، ولم يتعدى دور الشيعة الأوائل وهم الإخباريين جمع الروايات ونشرها، إيماناً منهم بأن تلك النصوص مجزية في فترة الغيبة الكبرى. ولم تتجاوز صورة التشيع في بداياته هذا المفهوم.

وتتجلّى هذه الحقيقة في الشيعة الأوائل في وضع مصنفات ترد قضية الإجتهاد والقياس، وتحارب كل من أراد فتح هذا الباب.

ولعل خير مثال على ذلك:

 الجنيد المتوفى سنة 378 للهجرة والذي ألف كتابه "تهذيب الشيعة" وأخذ فيه بالقياس والاجتهاد واستنبط الفروع على قرار علماء أهل السنة. فأثار سخط أضرابه الذين تصدوا لمنهجه بمصنفات، كما فعل المفيد في كتابه "النقض على ابن الجنيد". والمرتضى في "الانتصار" وفي "الشافي في الإمامة". ولا مجال في هذا المختصر للتطرق إلى تفاصيل كل هذا.

ولكن الزمن طال، والإمام المعصوم غائب، والمنهج الإخباري لا يستطيع مقاومة المتغيرات والمستجدات والإكتفاء بحبس ذاته في النصوص دون الرغبة في التحرر منها.

فكانت هذه الضغوط هي البوادر الأولى للإنعتاق من القيود التي تحد من مواجهة النوازل ليؤسسوا لما عرف فيما بعد بالمنهج الأصولي.

ولسنا هنا بصدد السرد التاريخي لهذه المسألة، فحسبنا المثال السابق والمتعلق ببدايات الخلاف ولننتقل إلى الحاضر القريب حيث تم طرق أبواب الإجتهاد من جديد من خلال نظرية (النيابة العامة) حيث منح الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي وكالة للمحقق الكركي (علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي– ت: 940 هـ) للحكم باسم نائب المهدي، واستمرت نيابة الفقهاء العامة هذه إلى جانب الصفويين، حتى إنهارت دولتهم الأمر الذي أدى إلى ظهور المد الإخباري من جديد وعودة نظرية التقية والإنتظار وتحريم الاجتهاد والتقليد وإقامة صلاة الجمعة إلى سار ما يخص الإمام المعصوم.

وفي العصر القاجاري دافع آل كاشف الغطاء (ت 1228هـ) عن مبدأ الاجتهاد في مواجهة الإخباريين وجعله من "المناصب الشرعية" وأن المنكر لذلك "جاحد بلسانه معترف بجنانه وقوله مخالف لعمله"[1].

 وجاء من بعده تلميذه المولى محمد النراقي (ت 1249هـ) وزاد على أستاذه في إضفاء طابع ولايتي على الاجتهاد يستمد مشروعيته من الله عز وجل وقال بأن "ولاية الاجتهاد.. حق ثابت من الله ومن حججه للمجتهد"، ولهذا لا بد "من وجوب الرجوع إليهم" أي للفقهاء[2].

وكذلك ذهب الشيخ مرتضى الأنصاري (1214 - 1281هـ) والذي عرف بخاتم المجتهدين في تقرير أصولي إلى "بطلان عبادة تارك طريقة التقليد والاجتهاد"[3].

وأنزل من بعده تلميذه السيد محمد كاظم اليزدي الرأي الأصولي لأستاذه منزلة الفتوى الملزمة[4]، ويعد اليزدي أول من أثبت باباً بعنوان "باب التقليد والاجتهاد" حيث وضع هذا الباب في كتابه "العروة الوثقى"، وهو الرسالة العملية الواجب على المقلد امتثال ما جاء فيها، وسار فقهاء الشيعة من بعده على منواله، وتكرست مرجعية الفقهاء ودورهم في النيابة عن المعصوم في الاجتهاد والمرجعية الدينية.

وهكذا تبدلت وظيفة الفقيه من راو إلى مجتهد إلى منصب شرعي إلى ولاية مستمدة من الله، فتحت الباب أمام ولاية الفقيه المطلقة[5].

ونقفز من جديد دون السرد التاريخي لتقترب أكثر من بوادر الظهور الحقيقي لنظرية ولاية الفقيه.

على عكس المتكلمين القدماء الإخباريين الذين كانوا يبررون الغيبة بأن الإمام موجود كالشمس وراء السحاب، شعر العلماء المتأخرون الاصوليون بحاجة الأمة إلى إمام حي ظاهر متفاعل يقود الشيعة ويطبق أحكام الدين، ولذلك قاموا بثورة كبرى في التخلي عن الشروط المثالية المستحيلة وقالوا بولاية الفقيه العادل، تلك النظرية التي أدت إلى قيام الجمهورية الإسلامية في إيران وتغيير التاريخ الشيعي.

ونلخص ما مر بذكر أهم المحطات في نظرية ولاية الفقيه حتى الآن ثم نلقي مزيداً من الضوء على بعض هذه المحطات:

1-        "محمد بن مكي الجزيني العاملي" (ت786هـ) صاحب أول تطوير حقيقي في الفقه الشيعي فيما يتعلق بنظرية ولاية الفقيه، فبعدما كانت علاقة رجال الدين بالمجتمع قاصرة على الفتاوى الفقهية، وعلى ما يحصلونه من نسبة الخمس، وسع الجزيني نطاق عمل الفقهاء ووسع تأثيرهم في حياة الشيعة مستندا إلى ما يسمى "نيابة الفقهاء العامة" عن "المهدي المنتظر"، وشملت هذه النيابة القضاء والحدود وإقامة صلاة الجمعة.

2-        الشيخ أبو الحسن علي بن الحسين بن عبد العالي الكركي العاملي، المعروف بالمحقّق الثاني (ت940هـ): نقل نظرية (النيابة العامة) إلى مرحلة سياسية متقدمة في القرن العاشر الهجري، وإعطائه الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي وكالة للحكم باسم (نائب الإمام: الفقيه العادل).

3-        "أحمد بن محمد مهدي نراقي كاشاني" (1245هـ) والذي بين في كتابه "عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام" صلاحيات الفقهاء مستخدما مصطلح "ولاية الفقيه" لأول مرة رافضا "التقية" و"عصر الانتظار"، داعيا الفقهاء إلى تولي زمام الأمور والحكم لجماهير الشيعة، واقترح أيضا منصب الإمامة الكبرى.

4-        الشيخ "مرتضى بن محمد أمين الأنصاري" الملقب بـ"خاتم المجتهدين" (ت1281هـ) حيث أفتى بوجوب تقليد الشيعة المرجع الديني أو الفقيه في كل أمورهم الحياتية والمذهبية، فتكرست مرجعية الفقهاء ودورهم كنواب للإمام الغائب الثاني عشر، وهو ما أدى لتحويل وظيفة الفقيه من مجرد ناقل للأحاديث إلى مجتهد، ثم إلى مرجع يجب تقليده، وبشكل ينزله منزلة المنصب الشرعي، أو ما يطلق عليه في الفقه الشيعي "النيابة العامة" التي صعدت إلى مصاف الولاية المستمدة من الله، وقد أسس ذلك فيما بعد لظهور نظرية "ولاية الفقيه" التي سعت لإثبات حقيقة أن العلماء والفقهاء هم ورثة الأنبياء والأئمة المعصومين استنادا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "العلماء ورثة الأنبياء"، ومقولة الإمام الرضا " الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك".

5-        الشيخ رضا الهمداني، وسيأتي كلامه.

6-        الشيخ محمد حسين النائيني (1355هـ) صاحب كتاب: تنبيه الأمة وتنزيه الملة، حيث يقول: استحالة التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر الغائب وعدم وجود الأئمة المعصومين، وحاجة الأمة إلى قيادة مشروطة بمجلس منتخب.

7-        الشيخ حسن الفريد (توفي سنة 1417 هـ) شيد نظرية (ولاية الفقيه) على أساسالحسبة) واعترف في (رسالة في الخمس) بعدم استفادة نظرية الولاية من الكتاب والسنة، بل من دليل الحسبة والضرورة.

8-        السيد محمد رضا الكلبايكاني (ت1993م): نظّر لولاية الفقيه بالأدلة الفلسفية التي توجب إقامة (الإمامة) في كل عصر، وعدم جواز بقاء الأمة بدون قيادة. ولم يطرح نظرية (نيابة الفقهاء العامة) وإنما طرح نظريته حول (ولاية الفقيه) بصورة مستقلة. وقال معقباً على قول النراقي الذي قال" " انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا إلا بقيّم ورئيس لما لا بد منه في أمر الدين والدنيا" عقب قائلاًً: والظاهر منها أن عدة من الأمور مما لا بد منها في قوام الملة ونظم الرعية بحيث لولاها لاختل النظام، وفسدت معيشة الأنام، وتكثر الفتنة، ونزداد الحيرة وينجذم حبل الدين والدنيا، إذ ليست تلك الأمور مما يمكن صدوره من أي شخص، وفرد، بل لا بد في اجرائها من وجود الزعيم، وحكم القيم، الذي له الولاية على الرعية، والزعامة للأمة، ولهذا نرى في عيشنا، وفي كل مجتمع: إن طبقات الناس في منازعاتهم يرجعون في بدو الأمر إلى زعيمهم [6].

9-        الخميني (1990م) لعب دورا هاما في تطوير الفقه السياسي الشيعي حيث حمل راية فكرة "ولاية الفقيه" من بعد الشيخ "مرتضى الأنصاري"، وكانت الظروف السياسية التي تمر بها إيران -الشاه والدور الذي لعبه الخميني في تحريك الاحتجاجات منذ عام 1963م، ثم نفيه إلى الخارج حيث استقر بالنجف فرصة كبيرة له لتطوير وصوغ أفكاره فيما يتعلق بإطاحة سلطة الشاه الدنيوية، وإقامة جمهورية إيران الإسلامية على أساس ولاية الفقيه، والتي يقابلها أن الحكومة تجسد خلافة الله على الأرض[7]. وسيأتي تفصيل قوله.

     لاحظنا مما مر أن الشيخ النراقي يعد من أوائل من إستخدم مصطلح ولاية الفقيه حيث سعى إلى تعزيز دور الفقيه وبوأه مركز السلطة بطرحه لهذه النظرية بصيغة تعد خرقاً واضحاً للإجماع الشيعي في مسألة الولاية حيث أثبت للفقيه كل ما هو للنبي والإمام "إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما" بناء على أن مصدر الولاية والتشريع هو الله وحده لا شريك له وأن الشارع منح الولاية إلى الأنبياء ثم الأوصياء ثم الفقهاء[8].

وهذا نص كلامه:

في بيان وظيفة العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار في أمور الناس، وما لهم فيه الولاية على سبيل الكلية، فنقول وبالله التوفيق:

إن كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه أمران:

أحدهما: كل ما كان للنبي والامام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الاسلام - فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما.

وثانيهما: أن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابد من الاتيان به ولا مفر منه، إما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور المعاد أو المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به. أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عسر أو حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر. أو ورود الاذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفته لمعين واحد أو جماعة ولا لغير معين - أي واحد لا بعينه - بل علم لا بدية الاتيان به أو الاذن فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف فيه، والآتيان به [9].

لذا يرى البعض أن هذا المعنى الذي قدمه النراقي هو المعنى الاصطلاحي للقائلين بـ"ولاية الفقيه" وإعتباره أول فقيه بحث التفصيل في مسألة ولاية الفقيه وجعل منها مسألة فقهية مستقلة"، وأن رأيه هو "أول رأي يصرح بوجوب الدور السياسي للفقهاء".

ويتضح من قول النراقي ضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وحصر الإمامة في الفقهاء مؤكداً على رفض نظرية الغيبة والإنتظار والتقية والنص والعصمة والسلالة العلوية في الإمام.

نشط فقهاء الشيعة المعاصرون للنراقي والمتأخرون عنه في تداول هذه المسألة فبحثها الشيخ محمد حسن النجفي المعروف بصاحب الجواهر (ت 1266 هـ) وعضد إلى حد ما رأى النراقي. ولكنه قصر عنه حيث قال[10]: "لولا عموم الولاية (أي للفقهاء) لبقيت كثير من الأمور المتعلقة بشيعتهم معطلة". فأثبت الولاية العامة للفقهاء مستدلاً بمقبولة عمر بن حنظلة وغيرها ولكنه يعود إلى نظرية الغيبة فيقول: "نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد عن ذلك ونحوه، وإلا لظهرت دولة الحق.. "[11]

وقال رضا الهمداني (ت: 1322) مؤيداً لنظرية ولاية الفقيه التي أسماها ب: (القائمقامية للفقيه عن الإمام المهدي): ولكن الذي يظهر بالتدبّر في التوقيع المروي عن إمام العصر - عجّل اللَّه فرجه -، الذي هو عمدة دليل النصب إنّما هو إقامة الفقيه المتمسّك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كلّ ما يكون الإمام مرجعا فيه كي لا يبقى شيعته متحيّرين في أزمنة الغيبة. وهو ما رواه في الوسائل عن كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة عن محمد بن محمد بن عصام عن محمد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان - عجّل اللَّه فرجه - أمّا ما سألت عنه أرشدك اللَّه وثبّتك - إلى أن قال - وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللَّه، وأمّا محمد بن عثمان العمري فرضي اللَّه عنه وعن أبيه من قبل، فإنّه ثقتي وكتابه كتابي.. ومن تدبّر في هذا التوقيع الشريف يرى أنّه - عليه السّلام - قد أراد بهذا التوقيع إتمام الحجّة على شيعته في زمان غيبته بجعل الرواة حجّة عليهم على وجه لا يسع لأحد أن يتخطَّى عمّا فرضه اللَّه معتذرا بغيبة الإمام، لا مجرّد حجّية قولهم في نقل الرواية أو الفتوى [12].

وهكذا بدأت معالم النظرية برؤيتها الحالية تتضح وأصبحت الأرضية خصبة للبذر بل وقطف الثمر، فجاء الخميني وشرع في تهيئة الناس لقبول هذه النظرية مستفيداً من التنظيرات السابقة فقال: "لو قام الشخص الحائز لهاتين الخصلتين (العلم بالقانون والعدالة) بتأسيس الحكومة، تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ويجب على جميع الناس إطاعته. فتوهم أن صلاحيات النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحكم كانت أكثر من صلاحيات أمير المؤمنين عليه السلام وصلاحيات أمير المؤمنين عليه السلام أكثر من صلاحيات الفقيه هو توهم خاطئ وباطل". نعم أن فضائل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالطبع هي أكثر من فضائل جميع البشر، ولكن كثرة الفضائل المعنوية لا تزيد في صلاحيات الحكم. فنفس الصلاحيات التي كانت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام في تعبئة الجيوش، وتعيين الولاة والمحافظين، واستلام الضرائب وصرفها في مصالح المسلمين، قد اعطاها الله تعالى للحكومة المفترضة هذه الأيام. غائة الأمر لم يعين شخصاً بالخصوص، وإنما اعطاه لعنوان العالم العادل[13].

فرسخ الخميني بهذا دعائم التيار المتحرر من شروط النص والعصمة وسائر ما تعلق به الخط المتمسك بنظرية الإنتظار والمتمثل في أن هذه المسائل إنما هي من خصائص الإمام وأن الأمور الحادثة يقف عليها الإمام بطرق مباشرة سواء بالإلهام أو الوحي كما هو مسطور في مصنفات الشيعة.

ومهد بقوله هذا بضرورة الإمامة في عصر الغيبة، وأن ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين، والعلم عنده تعالى وقال: · أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة)مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟... وأضاف:... أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة، وان لم تجعل لشخص خاص، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي... والعلة متحققة في زمن الغيبة، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها.

 ثم ترجم ذلك فعلياً على أرض الواقع عندما آل أمر إيران إليه بعد نجاح ثورته.

 

[1]  انظر كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، انتشارات مهدوي، 43

[2] انظر مستند الشيعة للنراقي، طبعة مكتبة آية الله المرعشي 2/132، 517، 523

[3] انظر فرائد الأصول للأنصاري، مؤسسة النشر الإسلامي، تحقيق النوري 1/275

[4] العروة الوثقى ص2

[5]  للإستزادة راجع نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر لشفيق شقير

[6] الهداية، الأول، للگلپايگاني، 29

[7]  للإستزادة راجع موسوعة الرشيد على النت

[8] مصدر سابق.

[9] عوائد الأيام، للنراقي، 536

[10] انظر جواهر الكلام 21/397

[11] مصدر سابق

[12] مصباح الفقيه، لآقا رضا الهمداني، 14/289

[13]  الحكومة الإسلامية، للخميني، 80