حكم مرتكب الكبيرة عند الرافضة

تُعد مسألة حكم مرتكب الكبيرة من أخطر القضايا العقدية التي يترتب عليها فهم الإيمان والكفر، والنجاة والهلاك، وقد جاء بيانها في الإسلام واضحًا منضبطًا بنصوص القرآن والسنة، حيث لا يُعصم العبد من العقوبة إلا بالإيمان والعمل الصالح، ولا تُنال الشفاعة إلا بإذن الله ورضاه.

غير أن المتأمل في كتب الرافضة الإمامية يجد انحرافًا خطيرًا في هذا الأصل، إذ جُعل الإيمان مجرد انتماء مذهبي، لا علاقة له بالعمل ولا بالطاعة، حتى أصبح شارب الخمر، والزاني، والسارق، وتارك الصلاة عندهم “مؤمنًا” كامل الإيمان ما دام مواليًا لأئمتهم.

وقد اعتمدت العقيدة الرافضية في ذلك على روايات باطلة وأحاديث موضوعة نُسبت زورًا إلى النبي ﷺ وإلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإلى ما يسمونه بالأئمة، لتكريس مبدأ خطير مفاده:

لا يخرج مرتكب الكبيرة من الإيمان، وتدركه الشفاعة قطعًا، ولو أصر على الذنوب ولم يتب.

وهذا المقال يفضح هذا الانحراف العقدي من خلال نصوصهم المعتمدة، ويكشف كيف استُخدمت الشفاعة لتبرير الكبائر، وتعطيل الخوف من الله، وإلغاء مبدأ المحاسبة، مما يؤكد أن الرافضة فرقة ضالة لها تصور خاص للإيمان لا يمت إلى الإسلام الحق بصلة.

ثبت عدم خروج مرتكب الكبيرة من الايمان، ففي الكافي:

 18 - يُونُسُ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ أن اللَّهَ لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ الْكَبَائِرَ فَمَا سِوَاهَا قَالَ قُلْتُ دَخَلَتِ الْكَبَائِرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ نَعَمْ " اهـ.

الكافي – الكليني - ج 2 ص 284،

وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – موثق كالصحيح – ج 10 ص 41

ومما يؤكد ذلك ما جاء في كتاب سليم بن قيس:

" قلت: أصلحك الله، فمن لقي الله مؤمنا عارفا بإمامه مطيعا له، أمن أهل الجنة هو؟ قال: نعم إذا لقي الله وهو مؤمن من الذين قال الله عز وجل: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات)، (الذين آمنوا وكانوا يتقون)، (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم). قلت: فمن لقي الله منهم على الكبائر؟ قال: هو في مشيته، أن عذبه فبذنبه وإن تجاوز عنه فبرحمته " اهـ

كتاب سليم بن قيس - تحقيق محمد باقر الأنصاري - ص 172

وفي الكافي:

 6 - عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أبيه وَعِدَّةٌ مِنْ أصحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ ابْنِ رِئَابٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ أن الْمُؤْمِنَ لَا يَكُونُ سَجِيَّتُهُ الْكَذِبَ وَالْبُخْلَ وَالْفُجُورَ وَرُبَّمَا أَلَمَّ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً لَا يَدُومُ عَلَيْهِ قِيلَ فَيَزْنِي قَالَ نَعَمْ وَلَكِنْ لَا يُولَدُ لَهُ مِنْ تِلْكَ النُّطْفَةِ " اهـ

الكافي – الكليني - ج 2 ص 442،

وقال المجلسي عن الرواية في مرآة العقول – حسن كالصحيح – ج 11 ص 320

وقال البحراني:

 وقد دل صحيح هشام بن سالم المروي في الفقيه على أن شارب الخمر والزاني والسارق يصلي عليهم إذا ماتوا. وبالجملة من حيث عدم الخروج عن الايمان تدركهم الشفاعة ويكونون بذلك من أهل الجنة كما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم (إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) هذا مع عدم حصول التوبة وإلا فيسقط البحث. والله العالم " اهـ

الحدائق الناضرة - يوسف البحراني - ج 10 - ص 366 – 367

وقال الطوسي:

617 - محمد بن مسعود، قال: حدثنا عبد الله بن محمد قال: حدثني أبو داود المسترق، عن عبد الله بن راشد، عن عبيد بن زرارة قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وعنده البقباق، فقلت له: جعلت فداك رجل أحب بني أمية أهو معهم؟ قال: نعم، قلت رجل أحبكم أهو معكم؟ قال: نعم، قلت: وان زنى وان سرق؟ قال: فنظر إلى البقباق فوجد منه غفلة، ثم أومى برأسه نعم " اهـ.

اختيار معرفة الرجال - الشيخ الطوسي - ج 2 - ص 627

وفي نهج البلاغة:

ومن كلام له (عليه السلام) للخوارج أيضًا فإنْ أَبَيْتُمْ إلا أن تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَاتُ وَضَلَلْتُ، فَلِمَ تُضَلِّلونُ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله) بِضَلاَلِي، وَتَاخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي، وَتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوِبي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ البَراءةِ وَالسُّقْمِ، وَتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَقَدْ عَلِمْتُمْ أن رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) رَجَمَ الزَّانِيَ [الْمُحْصَنَ] ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ، وَقَتَلَ الْقَاتِلَ وَوَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ، وَقَطَعَ السَّارِقَ وَجَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَنَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ ; فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِذُنُوبِهمْ، وَأَقَامَ حَقَّ اللهِ فِيهمْ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الاسْلاَمِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ." اهـ

نهج البلاغة – الشريف الرضي - ج 2 ص 7 – 9

وقال الشريف المرتضى:

 المسألة السابعة [ حكم مرتكب الكبائر من المعاصي ] وسأل (أحسن الله توفيقه) عن شارب الخمر والزاني ومن جرى مجراهما من أهل المعاصي الكبائر، هل يكونوا كفارا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا لم يستحلوه أما فعلوه؟

 الجواب: وبالله التوفيق.

 أن مرتكبي هذه المعاصي المذكورة على ضربين: مستحل، ومحرم فالمستحل لا يكون إلا كافرا، وإنما قلنا إنه كافر، لإجماع الأمة على تكفيره، لإنه لا يستحل الخمر والزنا مع العلم الضروري بأن النبي صلى الله عليه وسلم حرمهما، وكان من دينه (ص) حظرهما، إلا من هو شاك في نبوته وغير مصدق به، والشك في النبوة كفر، فما لا بد من مصاحبة الشك في النبوة له كفر أيضًا. فأما المحرم لهذه المعاصي مع الإقدام عليها فليس بكافر، ولو كان كافرا لوجب أن يكون مرتدا، لأن كفره بعد إيمان تقدم منه، ولو كان مرتدا لكان ماله مباحا، وعقد نكاحه منفسخا، ولم تجز موارثته، ولا مناكحته، ولا دفنه في مقابر المسلمين، لأن الكفر يمنع من هذه الأحكام بأسرها. وهذه المذاهب إنما قال به الخوارج، وخالفوا فيه جميع المسلمين، والاجماع متقدم لقولهم، فلا شبهة في أن أحدا قبل حدوث الخوارج ما قال في الفاسق المسلم إنه كافر ولا له أحكام الكفار " اهـ

رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 1 - ص 155 – 156

وقال جعفر السبحاني:

حكم مرتكب الكبيرة: أن الخوارج كانوا يحبون الشيخين ويبغضون الصهرين، بمعنى إنهم كانوا يوافقون عثمان في سني خلافته إلى ست سنين، ولما ظهر منه التطرف والجنوح إلى النزعة الأموية، واستئثار الأموال أبغضوه، وأما علي عليه السلام فقد كانوا مصدقيه إلى قضية التحكيم، فلما فرض عليه التحكيم وقبل هو ذلك المخطط عن ضرورة واضطرار، خالفوه ووصفوه باقتراف الكبيرة، - فعند ذاك - نجمت مسألة كلامية وهي ما هو حكم مرتكب الكبيرة؟ وقد استفحل أمرها أيام محاربة الخوارج مع الأمويين الذين كانوا معروفين بالفسق والفجور، وسفك الدماء وغصب الأموال، فكان الخوارج يحاربونهم بحجة إنهم كفرة لا حرمة لدمائهم ولا أعراضهم ولا نفوسهم لاقترافهم الكبائر. وعلى أي تقدير ففي المسألة أقوال: ألف. مرتكب الكبيرة كافر. ب. مرتكب الكبيرة فاسق منافق. ج. مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق. د. مرتكب الكبيرة لا مؤمن ولا فاسق بل منزلة بين المنزلتين. فالأول خيرة الخوارج، والثاني مختار الحسن البصري، والثالث مختار الإمامية والأشاعرة، والرابع نظرية المعتزلة " اهـ

رسائل ومقالات - جعفر السبحاني - ص 288 – 289

بل أن الخوئي يطلق لقب المؤمن على الشيعي الذي يشرب الخمر ويحرم لعنه، ففي صراط النجاة: " 1220: هل يجوز لعن شارب الخمر المتجاهر حتى لو كان مواليا؟ الخوئي: لا يجوز لعن من هو مؤمن " اهـ.

صراط النجاة - الميرزا جواد التبريزي - ج 1 - ص 442

بل إنه يطلق لقب الايمان على تارك الواجبات ومنها الصلاة، ففي صراط النجاة: " سؤال 1375: لقب المؤمن خاص لشيعة أهل البيت عليهم السلام هل يقال للشيعي مؤمن حتى لو ترك الواجبات، كالصلاة مثلا؟ الخوئي: نعم يقال له مؤمن " اهـ.

صراط النجاة - الميرزا جواد التبريزي - ج 2 - ص 438

قال الصدوق:

4963 - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إنما شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ". 4964 - وقال الصادق عليه السلام: " شفاعتنا لأهل الكبائر من شيعتنا، وأما التائبون فإن الله عز وجل يقول: " ما على المحسنين من سبيل " اهـ

من لا يحضره الفقيه - الشيخ الصدوق - ج 3 - ص 574

وقال المرتضى:

ومما يدل على شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي في إسقاط العقاب دون إيصال المنافع، الخبر المتضافر المجمع على قبوله وإن كان الخلاف في تأويله من قوله عليه السلام (أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) فهل تخصيص أهل الكبائر بالشفاعة إلا لأجل استحقاقهم للعقاب. ولو كانت الشفاعة في المنافع لم يكن لهذا القول معنى، لأن أهل الكبائر كغيرهم في الانتفاع بدون النفع، هذا واضح لمن تأمله " اهـ

رسائل المرتضى - الشريف المرتضى - ج 1 - ص 151

وقال أبو صلاح الحلبي:

ويدل على ذلك ما نقله محدثو الشيعة وأصحاب الحديث ولم ينازع في صحته أحد من العلماء من قوله صلى الله عليه وآله: " ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " اهـ

الكافي في الفقه - أبو صلاح تقي الدين بن نجم الدين الحلبي - ص 469

وقال الطوسي:

أدخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وفي خبر أخر: أعددت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وهذا خبر تلقته الأمة بالقبول، فلا يمكن أن يقال إنه خبر واحد " اهـ

الاقتصاد - الشيخ الطوسي - ص 127 – 128