تُعد السيرة النبوية من أعظم ما نُقل إلينا من التاريخ، وقد حفظها الله تعالى بنقلٍ دقيقٍ وتمحيصٍ علمي لم تعرفه أمة من الأمم. ومع ذلك، لم تسلم من شبهات يثيرها بعض المخالفين، خاصة من الفرق الضالة أو من تأثر بهم، حيث يُحرّفون النصوص أو يبنون اعتراضاتهم على روايات غير ثابتة.

ومن أبرز هذه الشبهات: دعوى أن النبي ﷺ حاول الانتحار أثناء فترة انقطاع الوحي، مستندين إلى رواية في صحيح البخاري. وهي دعوى خطيرة تمس مقام النبوة، وتُخالف ما تقرر في العقيدة من عصمة الأنبياء وثباتهم.

وفي هذا المقال، سنفصل القول في هذه الرواية، ونبين حقيقتها من جهة الصناعة الحديثية، مع توضيح أقوال أهل العلم فيها، وبيان بطلان هذه الشبهة من أساسها.

أن النبي حزن على فتور الوحي حتى كاد يتردى من شواهق الجبال

الحديث طويل كما في صحيح البخاري (كتاب التعبير: باب أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة.

 (حديث رقم6982).

ومختصر ما ورد في هذه الرواية ما يلي:

«ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع».

يحتج الرافضة والنصارى المستفيدون منهم على أن هذا دليلا على أن النبي e كان يريد الانتحار.

يلاحظ في الحديث عبارة الراوي (فيما بلغنا) وهي لابن شهاب الزهري، وتكشف كل ما أشكل في هذه الرواية. وهي صريحة في أن خبر الانتحار فيما بلغ الزهري. والزهري يشير إلى ما يحكيه ناس من السوالف والحكايات. فهو من بلاغات الزهري. ولا مجال فيه للإنكار فإن الزهري لم يسنده ولا ذكر من هم رواته. وحتى لو حدث الزهري عن النبي e شيئا ولم يصل إسناده إلى صحابي فإنه منقطع السند عندنا، فكيف وإنه يطلق كلمة البلاغ التي تعني عدم وجود إسناد؟.

وقول الزهري (فيما بلغنا) لا علاقة له بصحة الحديث الذي عند البخاري. وهذا البلاغ مما وصل إليه من خبر. فيكفي أن نأخذ من خبر الزهري ما هو خارج عن البلاغ.

ولهذا قال الحافظ أحمد ابن حجر:

 «إن القائل (فيما بلغنا) هو الزهري وعنه حكى البخاري هذا البلاغ، وليس هذا البلاغ موصولاً برسول الله، وقال الكرماني «وهذا هو الظاهر»

 (فتح الباري12/359).

هذا هو الصواب وحاشى أن يقدم رسول الله وهو إمام المؤمنين على الانتحار أو حتى على مجرد التفكير فيه. وقال الألباني «شاذ مرسل معضل من قول الزهري»

(دفاع عن الحديث ص40).

فهذا البلاغ ورد مطلقا غير موصول. ولم يصرح به بالتلقي عن عروة عن صحابي كما في أول سند هذا الحديث. وتصريح الزهري بالبلاغ إشارة منه إلى عدم التوثق من النبأ.

ومعلوم أن التابعي إذا لم يصرح باسم الصحابي في الرواية تكون الرواية منقطعة فكيف إذا وردت هكذا مطلقة من دون أي تصريح بأي راو؟