التأويلات الباطلة: بيان وضعه والرد على شبهات الفرق الضالة والصوفية

تُعد مسألة نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم من القضايا التي أُثير حولها جدل واسع، واستُدل لها بأحاديث لا تثبت عند التحقيق، ومن أشهرها حديث: "سألت ربي عز وجل فأحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها"، وهو حديث يتناقله بعض أهل الأهواء لتقرير معتقدات تخالف النصوص الصحيحة الصريحة.

غير أن المنهج العلمي الذي سار عليه أئمة الحديث قائم على التمحيص والتدقيق في الأسانيد والمتون، لا على العاطفة أو الرغبات، ولذلك لم يتردد كبار الحفاظ في الحكم على هذا الحديث بالوضع أو النكارة الشديدة، لما فيه من علل ظاهرة، سواء في سنده أو في مخالفته لأصول الشريعة.

كما أن بعض الفرق الضالة، ومنهم الرافضة، وكذلك طوائف من المتصوفة، حاولوا تصحيح هذه الروايات بطرق باطلة، كدعوى "الكشف" أو الاستناد إلى أخبار واهية، وهو مسلك يفتح باب العبث بالدين ويُسقط قواعد العلم.

وفي هذا المقال نقف على التحقيق العلمي لهذا الحديث، ببيان أسانيده، وأقوال الأئمة فيه، وعلله، ثم نعرض الأدلة القرآنية والنبوية التي تبطل مضمونه، مع كشف خطورة التأويلات المنحرفة التي تُبنى عليه.

حدثنا محمد بن الحسن بن زياد مولي الانصار قال حدثنا أحمد بن يحيى الحضرمي بمكة قال حدثنا أبو غزيه محمد بن يحيى الزهري قال حدثنا عبد الوهاب بن موسى الزهري حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن هشام بن عروه عن ابيه

عن عائشة رضي الله عنها:

«أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل الى الحجون كئيبا حزينا فأقام به ما شاء ربه عز وجل ثم رجع مسرورا فقلت يا رسول الله نزلت الى الحجون كئيبا حزينا فأقمت به ما شاء الله ثم رجعت مسرورا قال: سألت ربي عز وجل فأحيا لي امي فأمنت بي ثم ردها».

موضوع.

محمد بن زياد هو النقاش ليس بثقة وأحمد بن يحيى ومحمد بن يحيى مجهولان. ذكره ابن شاهين في (الناسخ والمنسوخ1/378).

 وهو يروي الغث والسمين. ورجح ابن عراق ضعفه على القول بوضعه (تنزيه الشريعة المرفوعة1/378).

 كذلك فعل السيوطي (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة1/339).

ولكن أشار الذهبي إلى وضعه قائلا «وبسند وضع على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها» (الأحاديث المختارة للذهبي1/95).

ونقل السيوطي عن ابن دحية الذي يصفه الحبشي بالحافظ:

 أن الحديث في إيمان أمه r وأبيه «موضوع» يردّه القرآن العظيم: قال تعالى ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار﴾ (النّساء18) وقال ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِر (البقرة17) فمن مات كافراً لم ينفعه الإيمان بعد الرجعة (نشر العلمين المنيفين في إحياء الأبوين الشريفين للسيوطي 212 ضمن الرسائل التسع).

وقال الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروتي عن حديث نجاة أبوي النبي r: «قال ابن كثير:

 حديث منكر جداً» (أسنى المطالب ص51).

ولعلك تصاب بالدهشة من قول البيجوري (جوهرة التوحيد ص153) «ولعل هذا الحديث صح عند أهل الحقيقة بطريق الكشف».

 وهذا تخريج للأحاديث يتلقاه الصوفية من عالم الملكوت.

 فيخبرهم الله إذا كان الحديث ضعيفا أو صحيحا.

وهو استخفاف بالدين وخداع للعوام. وهم يلجأون إلى التخريج الكشفي لعجزهم عن إثبات صحته على طريقة أهل الحديث. وهذه زندقة.