جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي فخلا بها
تُعد مسألة "خلوة النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة من الأنصار" من الشبهات التي يثيرها بعض أتباع الفرق الضالة، وعلى رأسهم الرافضة، للطعن في كتب السنة الصحيحة، وعلى وجه الخصوص صحيح البخاري وصحيح مسلم. ويستندون في ذلك إلى ظاهر لفظ الحديث: "فخلا بها"، محاولين تحميله ما لا يحتمل من المعاني الفاسدة التي تخالف أصول الشريعة وقواعدها المحكمة.
غير أن المنهج العلمي الصحيح في التعامل مع النصوص الشرعية يقتضي جمع الروايات، وفهمها في ضوء اللغة العربية، ومعرفة سياقها، وأقوال العلماء في شرحها، لا الاقتصار على ظاهر لفظ مبتور يُفهم على غير مراد الشارع. كما أن من التناقض الواضح أن يحتج هؤلاء بروايات ضعيفة أو منكرة في كتبهم، بل وطاعنة في مقام أهل البيت أنفسهم، ثم يطعنون في أصح الكتب بعد كتاب الله.
ومن هنا، يأتي هذا المقال لبيان حقيقة هذا الحديث، وشرح معناه الصحيح كما قرره أهل العلم، مع كشف التناقض الواضح في روايات الرافضة، وإبراز الفارق بين المنهج السني القائم على التحقيق العلمي، والمنهج الآخر الذي يقوم على الانتقاء والاضطراب.
« عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخلا بها فقال والله إنكم لأحب الناس إلي» (متفق عليه).
هذا الحديث من الشبهات التي يحتج بها الرافضة في الطعن على البخاري ومسلم حيث جاء فيه (فخلا بها) و(والله إنكم لأحب الناس إلي).
رواه البخاري5/2006 حديث رقم4936 ومسلم4/1948 حديث رقم2509.
وقبل أن أبين فقه الحديث أذكر الرافضة بهذه الرواية الرافضية:
وقد روى الرافضة عن علي بن أبي طالب أنه لقي سلمان فقال له: « أئت منزل فاطمة بنت رسول الله فإنها إليك مشتاقة تريد أن تتحفك بتحفة قد اتحفت بها من الجنة، قلت لعلي (عليه السلام) قد أتحفت فاطمة (عليها السلام) بشيء من الجنة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: نعم بالأمس.
وفي رواية أن عليا هو الذي قال لسلمان اذهب الى منزل فاطمة فإنها تريد ان تتحفك بتحفة.
قال سلمان الفارسي: « فهرولت إلى منزل فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله فإذا هي جالسة وعليها قطعة عباء إذا خمرت رأسها انجلى ساقها وإذا غطت ساقها انكشف رأسها، فلما نظرت إلي اعتجرت ثم قالت: يا سلمان جفوتني بعد وفاة أبي (صلى الله عليه وآله).
قلت: حبيبتي أأجفاكم؟ قالت: فمه اجلس واعقل ما أقول لك» (بحار الأنوار34/66).
قلت: واعجباه من هذه الرواية الطاعنة بمروءة وشرف علي وفاطمة!!! أيليق بعلي أن يرسل برجل إلى ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها بزعم الرواية مشتاقة إليه وتريد أن تهديه هدية؟ ثم بعد هذا تغطي رأسها لتنكشف ساقها؟
ونعود إلى فقه حديثنا:
فقد أدرج المصنف هذا الحديث تحت (باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس). أي لا يخلو بها بحيث تحتجب أشخاصهما عنهم بل بحيث لا يسمعون كلامهما إذا كان بما يخافت به كالشيء الذي تستحي المرأة من ذكره بين الناس.
والدليل على ذلك نقل الراوي قول النبي للمرأة.
وأخذ المصنف قوله في الترجمة:
« عند الناس» من قوله في بعض طرق الحديث « فخلا بها في بعض الطرق أو في بعض السكك » وهي الطرق المسلوكة التي لا تنفك عن مرور الناس غالبا.
قوله « جاءت امرأة من الأنصار إلى النبي e» زاد في رواية بهز بن أسد « ومعها صبي لها فكلمها رسول الله e.
قوله « فخلا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي في بعض الطرق، قال المهلب: « لم يرد أنس أنه خلا بها بحيث غاب عن أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنه لم يسمعه» ا هـ.
ووقع عند مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس « أن امرأة كان في عقلها شيء قالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك». وأخرج أبو داود نحو هذا السياق من طريق حميد عن أنس لكن ليس فيه أنه كان في عقلها شيء.
قوله « فقال والله إنكم لأحب الناس إلي» زاد في رواية بهز «مرتين» وأخرجه في الأيمان والنذور من طريق وهب بن جرير عن شعبة بلفظ « ثلاث مرات».
وفي الحديث منقبة للأنصار، وقد تقدم في فضائل الأنصار توجيه قوله «أنتم أحب الناس إلي». وقد تقدم فيه حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس مثل هذا اللفظ أيضا في حديث آخر.
وفيه سعة حلمه وتواضعه صلى الله عليه وسلم وصبره على قضاء حوائج الصغير والكبير.
وفيه أن مفاوضة المرأة الأجنبية سرا لا يقدح في الدين عند أمن الفتنة، ولكن الأمر كما قالت عائشة « وأيكم يملك أربه كما كان صلى الله عليه وسلم يملك أربه».