ما جاء عن الأئمة من تطبيقات عملية في الإستدلال بالكتاب أوالسنة

 

يُعدّ الاستدلال بالقرآن الكريم والسنة النبوية أساساً راسخاً في فهم الشريعة الإسلامية واستنباط الأحكام منها، وهو المنهج الذي سار عليه علماء الأمة عبر العصور. وقد كان أئمة أهل البيت رحمهم الله من أبرز من جسّد هذا المنهج في أقوالهم وأفعالهم، حيث كانوا يربطون الأحكام الشرعية دائماً بكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويجعلونهما المرجع الأول في بيان الحلال والحرام.

ومن خلال الروايات المنقولة عن الأئمة يظهر بوضوح أنهم لم يكونوا يعتمدون على الآراء المجردة أو الاجتهاد المنفصل عن النصوص، بل كانوا يستدلون بالآيات القرآنية أو بالأحاديث النبوية لإيضاح الحكم الشرعي وبيان علّته. وقد تجلت هذه الطريقة في مواقف متعددة واجهت مسائل معقدة أو نوازل فقهية، حيث قدم الأئمة حلولاً مبنية على نصوص الوحي، فكان ذلك دليلاً على رسوخهم في العلم وتمسكهم بالمنهج الأصيل في الاستنباط.

ومن النماذج الواضحة على ذلك ما ورد عن الإمام علي الهادي في قضية عرضت على الخليفة المتوكل العباسي، حيث استدل الإمام بآية من القرآن الكريم في بيان الحكم، وكذلك ما ورد عن الإمام الحسن العسكري حين بيّن معنى "المال الكثير" مستنداً إلى آية من كتاب الله. وتكشف هذه الوقائع عن منهج علمي واضح يقوم على ردّ المسائل إلى النصوص الشرعية واستنباط الأحكام منها بدقة وفهم عميق.

منهج الأئمة في الاستدلال:

قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فاسلم فقال: يحيى بن أكثم قد هدم إيمانه شركه وفعله وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام – أي الإمام الهادي - وسؤاله عن ذلك فلما قرء الكتاب كتب: يضرب حتى يموت فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين سل عن هذا فإنه شئ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنة فكتب إليه أن فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجئ به سنة ولم ينطق به كتاب فبين لنا لم أوجبت عليه الضرب حتى يموت؟ فكتب بسم الله الرحمن الرحيم ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ قال: فأمر به المتوكل فضرب حتى مات[1].

لما سم المتوكل، نذر لله إن رزقه الله العافية أن يتصدق بمال كثير، فلما سلم وعوفي سأل الفقهاء، عن حد المال الكثير كم يكون؟ فاختلفوا.

فقال بعضهم: ألف درهم وقال بعضهم: عشرة آلاف وقال بعضهم: مائة ألف فاشتبه عليه هذا. فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أمير المؤمنين من هذا خبرك بالحق والصواب فما لي عندك؟ فقال المتوكل: إن أتيت بالحق فلك عشرة آلاف درهم، وإلا أضربك مائة مقرعة.

 فقال: قد رضيت. فأتى أبا الحسن العسكري عليه السلام فسأله عن ذلك. فقال أبو الحسن عليه السلام: قل له: يتصدق بثمانين درهما. فرجع إلى المتوكل فأخبره. فقال: سله ما العلة في ذلك؟ فسأله فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25] فعددنا مواطن رسول الله صلى الله عليه وآله فبلغت ثمانين موطنا. فرجع إليه فأخبره ففرح، وأعطاه عشرة آلاف درهم[2].

 

 

[1] الكافي، للكليني، 7/238، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 4/37(الحاشية)، تهذيب الأحكام، للطوسي، 10/38، الاحتجاج، للطبرسي، 2/257، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 28/141، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 18/69، الاحتجاج، للطبرسي، 2/258، مناقب آل أبي طالب، لإبن شهر آشوب، 3/509، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/172، 76/54، 96، 110/168، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 1/119، 25/412، التفسير الصافي، للفيض الكاشاني، 4/350، 6/322، تفسير نور الثقلين، للحويزي، 4/537، معجم رجال الحديث، للخوئي، 21/35، موسوعة المصطفى والعترة (عليهم السلام)، الحاج حسين الشاكري، 14/204، 286

[2] الاحتجاج، للطبرسي، 2/257، بحار الأنوار، للمجلسي، 50/162، 101/216، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 9/66