رد على شبهة بغض ابن تيمية للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه

يحاول بعض المتحاملين على أهل السنة والشيعة الرافضة تشويه موقف شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله من الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بادعاء أنه شنّع عليه وهاجمه، ووصمه بالنفاق أو بالتحيز ضد الصحابة.
ويهدف هذا المقال إلى توضيح حقيقة أقوال ابن تيمية، موضحًا أن ما نسب إليه في كتب مثل الدرر الكامنة لابن حجر، من نقد أو ذكر فروق بين أقوال الصحابة، كان في سياق الرد على شبهات الشيعة أو تفسير مسألة فقهية دقيقة، وليس بغرض التقليل من مكانة الإمام علي رضي الله عنه، الذي يقدره الإسلام وأهل السنة كافة.

كما يوضح المقال أن ابن تيمية كان يحذر من الأخذ بكلام خصوم الإسلام على أنه رأي شخصي، وأنه لم يخلُ كتابه منهاج السنة وغيره من مؤلفاته من نصوص تؤكد فضل الإمام علي رضي الله عنه ومكانته الرفيعة، مشيرًا إلى أن التحامل على كلامه قد أدى إلى تحريف فهمه.

وأبدأ بحثي بكلمة لإبن حجر العسقلاني الحافظ بترجمته من كتاب الدرر الكامنة في أعيان المأئة الثامنة، حيث يذكر قضايا مفصلة بترجمة ابن تيميّة وحوادث كلّها قابلة للذكر، إلا إني أكتفي بنقل ما يلي:

يقول الحافظ:

 وقال ابن تيميّة في حقّ علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً، ثمّ خالف فيها نصّ الكتاب....
ويقول الحافظ ابن حجر:

وافترق الناس فيه ـ أي في ابن تيميّة ـ شيعاً، فمنهم من نسبه إلى التجسيم، لما ذكر في العقيدة الحمويّة والواسطيّة وغيرهما من ذلك كقوله: إن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقيّة لله، وأنّه مستو على العرش بذاته....
إلى أن يقول: ومنهم من ينسبه إلى الزندقة، لقوله: النبيّ (صلى الله عليه وسلم)لا يستغاث به، وأنّ في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي (صلى الله عليه وسلم)....
إلى أن يقول: ومنهم من ينسبه إلى النفاق، لقوله في علي ما تقدّم ـ أي قضيّة إنه أخطأ في سبعة عشر شيئاً ـ ولقوله: إنه ـ أي علي ـ كان مخذولاً حيثما توجّه، وأنّه حأول الخلافة مراراً فلم ينلها، وإنّما قاتل للرئاسة لا للديانة، ولقوله: إنه كان يحبّ الرئاسة، ولقوله: أسلم أبوبكر شيخاً يدري ما يقول، وعلي أسلم صبيّاً، والصبي لا يصحّ إسلامه، وبكلامه في قصّة خطبة بنت أبي جهل، وأنّ عليّاً مات وما نسيها.
فإنّه شنّع في ذلك، فألزموه بالنفاق، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ولا يبغضك إلا منافق.
إلى هنا القدر الذي نحتاج إليه من عبارة الحافظ ابن حجر بترجمة ابن تيميّة في الدرر الكامنة[1].

والان أذكر لكم الشواهد التفصيليّة لما نسب ابن تيميّة إليه من النفاق.
إنّه يناقش في إسلام أمير المؤمنين، وفي جهاده بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى أن يقول في موضع من كلامه، أقرأ لكم هذا المقطع.

 وأنتقل إلى بحث آخر، يقول:

لاحظوا بدقّة كلمات هذا الرجل لا رجل، ولا صبيّ، ولا امرأة، ولا الثلاثة، ولا علي. وإذا قيل عن الرجال: إنهم كانوا يعبدون الاصنام، فالصبيان كذلك: علي وغيره. [فعلي كان يعبد الصنم في صغره!!]وإن قيل: كفر الصبي ليس مثل كفر البالغ. قيل: ولا إيمان الصبي مثل إيمان البالغ. فأولئك يثبت لهم حكم الايمان والكفر وهم بالغون، وعلي يثبت له حكم الكفر والايمان وهو دون البلوغ، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتّفاق المسلمين[2]. أكتفي بهذا المقدار من عباراته في هذه المسألة.

ويقول: إنّ الرافضة تعجز عن إثبات إيمان علي وعدالته... فإنْ احتجّوا بما تواتر من إسلامه وهجرته وجهاده، فقد تواتر إسلام معاوية ويزيد وخلفاء بني أُميّة وبني العباس، وصلاتهم وصيامهم وجهادهم

ويقول في موضع آخر:[3]

لم يعرف إن عليّاً كان يبغضه الكفّار والمنافقون[4].

 ويقول: كلّ ما جاء في مواقفه في الغزوات كلّ ذلك كذب. إلى أن يقول مخاطباً العلامة الحلّي (رحمه الله) يقول:

قد ذكر في هذه من الأكاذيب العظام التي لا تنفق إلا على من لم يعرف الإسلام، وكأنّه يخاطب بهذه الخرافات من لا يعرف ما جرى في الغزوات[5]. بالنسبة إلى علوم أمير المؤمنين ومعارفه، يناقش في جلّ ما ورد في هذا الباب، في نزول قوله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ [الحاقة: 12].

 يقول: إنّه حديث موضوع باتّفاق أهل العلم[6].

مع إن هذا الحديث موجود في:

1)    تفسير الطبري.

2)    مسند البزّار.

3)     مسند سعيد بن منصور.

4)    تفسير ابن أبي حاتم.

5)    تفسير ابن المنذر.

6)    تفسير ابن مردويه.

7)    تفسير الفخر الرازي.

8)    تفسير الزمخشري.

9)     تفسير الوأحدي.

10)    تفسير السيوطي.

ورواه من المحدّثين:

1)    أبو نعيم.

2)    الضياء المقدسي.

3)    ابن عساكر.

4)    الهيثمي، في مجمع الزوائد.

أكتفي بهذا المقدار[7].

حديث: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» يقول فيه:

وحديث «أنا مدينة العلم وعلي بابها» أضعف وأوهى، ولهذا إنما يعدّ في الموضوعات[8].

مع إن هذا الحديث من رواته:

1)    يحيى بن معين.

2)    أحمد بن حنبل.

3)    الترمذي.

4)    البزّار.

5)    ابن جرير الطبري.

6)    الطبراني.

7)    أبو الشيخ.

8)    ابن بطّة.

9)    الحاكم.

10)    ابن مردويه.

11)    أبو نعيم.

12)    أبو مظفّر السمعاني.

13)    البيهقي.

14)    ابن الاثير.

15)    النووي.

16)    العلائي.

17)    المزّي.

18)    ابن حجر العسقلاني.

19)    السخاوي.

20)    السيوطي.

21)    السمهودي.

22)    ابن حجر المكّي.

23)    القاري.

24)    المنّاوي.

25)    الزرقاني.
وقد صحّحه غير وأحد من هؤلاء الأئمة.

وحول حديث أقضاكم علي، يقول:

فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجّة... لم يروه أحد في السنن المشهورة، ولا المساند المعروفة، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، وإنّما يروى من طريق من هو معروف بالكذب[9]. هذا الحديث موجود في: صحيح البخاري في كتاب التفسير باب قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِنْهَا [البقرة: 106] كذا في الدرّ المنثور، وعن النسائي أيضًا، وإبن الانباري، ودلائل النبوّة للبيهقي، وهو في الطبقات لإبن سعد، وفي المسند لأحمد بن حنبل، وبترجمته (عليه السلام) من سنن ابن ماجة، وفي المستدرك على الصحيحين وقد صحّحه، وفي الاستيعاب، وأُسد الغابة، وحلية الأولياء، وفي الرياض النضرة، وغيرها من الكتب[10].

يقول: وقوله: ابن عباس تلميذ عليّ كلام باطل[11].

 ويقول المنّاوي: في فيض القدير بشرح حديث «علي مع القرآن والقرآن مع علي»، يقول: ولذا كان أعلم الناس بتفسيره....

إلى أن قال: حتّى قال ابن عباس: ما أخذت من تفسيره فعن علي[12].

ويقول أيضاً:

وأما قوله: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «أقضاكم علي» والقضاء يستلزم العلم والدين، فهذا الحديث لم يثبت، وليس له إسناد تقوم به الحجة، وقوله: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل» أقوى اسناداً منه، والعلم بالحلال والحرام ينتظم القضاء أعظم مما ينتظم للحلال والحرام.[13]

يقول: والمعروف أنّ عليّاً أخذ العلم عن أبي بكر[14].

يقول: له -أي لأمير المؤمنين-  فتاوى كثيرة تخالف النصوص[15]. كانت العبارة هناك سبعة عشر موضعاً، وعبارة ابن تيميّة هنا: له فتاوى كثيرة تخالف النصوص من الكتاب والسنّة.

يقول: وقد جمع الشافعي ومحمد بن نصر المروزي كتاباً كبيراً فيما لم يأخذ به المسلمون من قول عليّ، لكون قول غيره من الصحابة اتبع (للكتاب والسنة)[16].

الحال أنّ هذا الكتاب الذي ألّفه المروزي هو في المسائل التي خالف فيها أبو حنيفة علي بن أبي طالب في فتاواه، فموضوع هذا الكتاب ـ كتاب المروزي ـ الفتاوى التي خالف فيها أبو حنيفة علي بن أبي طالب وعبدالله بن مسعود.

لاحظوا، كم فرق بين أصل القضيّة وما يدّعيه ابن تيميّة!!

يقول: وعثمان جمع القرآن كلّه بلا ريب، وكان أحياناً يقرؤه في ركعة، وعلي قد اختلف فيه هل حفظ القرآن كلّه أم لا؟[17].

 ويقول: فإن قال الذابُّ عن علي: هؤلاء الذين قاتلهم علي كانوا بغاة، فقد ثبت في الصحيح: إنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لعمّار بن ياسر (رضي الله عنه): «تقتلك الفئة الباغية»، وهم قتلوا عمّاراً، فههنا للناس أقوال: منهم من قدح في حديث عمّار، ومنهم من تأوّله على أنّ الباغي الطالب، وهو تأويل ضعيف، وأمّا السلف والائمّة فيقول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية[18]. ففي قتال علي مع الناكثين والقاسطين والمارقين يقول: إنّ أبا حنيفة ومالكاً وأحمد وغيرهم كانوا يقولون بأنّ شرط البغاة لم يكن حاصلاً في هؤلاء حتّى يحاربهم علي (عليه السلام).

يقول: جميع مدائن الاسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي[19] فإذن، لم يكن لعلي دور في نشر التعاليم الاسلاميّة والاحكام الشرعيّة والحقائق الدينيّة أبداً!!

الله المستعان على ما تصفون

الشبهات والرد عليها:

الشبهة الأولى:

نسب البعض لابن تيمية أنه قال إن علي رضي الله عنه كان مخذولًا وحاول الخلافة ولم ينلها، وأنه أسلم صبيًّا، وأنه قاتل للرئاسة لا للديانة، وأنه كان يحب الرئاسة.

الرد:

ابن تيمية لم يقل ذلك إيمانًا به، بل كان يرد على استدلالات علماء الشيعة مثل ابن مطهر الحلي في كتاب منهاج السنة، مستخدمًا هذه الأمثلة لبيان تناقض مزاعمهم

. فابن تيمية لم يقل أن علي ضعيف أو مخذول، بل أقرّ بشجاعته وفضله ومكانته العظيمة بين الصحابة.

الشبهة الثانية:

 

الادعاء بأن ابن تيمية أنكر إسلام علي أو جهوده في الغزوات

الرد:

ابن تيمية ناقش هذه المسائل فقهيًا للرد على خصومه، ولم يقل إن علي لم يشارك في الجهاد أو لم يكن عالمًا أو عادلًا. على العكس، كتب ابن تيمية في أماكن أخرى عن فضل علي رضي الله عنه ومكانته الرفيعة بين الصحابة. كما أن الكثير من الأحاديث المتعلقة بفضل علي، مثل حديث "أنا مدينة العلم وعلي بابها"، وفتاواه ومعارفه، موثقة عند كبار المحدثين والمفسرين.

الشبهة الثالثة:

الادعاء بأن ابن تيمية قلل من دور علي رضي الله عنه في نشر الإسلام وتعليم الناس.

الرد:

ابن تيمية ذكر علي رضي الله عنه في سياق مقارنة فقهية مع خصومه أو مع صحابة آخرين، ولم ينكر فضله أو علمه، بل استخدم هذه المسائل لتفنيد شبهات الخصوم، وخاصة الشيعة الرافضة.

 

 

[1] الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 1/154 ـ 155

[2] منهاج السنّة 8 / 285.
 

[3] منهاج السنّة 2 / 62.

[4] منهاج السنّة 7 / 461.

[5] منهاج السنّة 8 / 97.

[6] منهاج السنّة 7 / 522.

[7] الاية في سورة الرعد، فلاحظ التفاسير، ومجمع الزوائد 1 / 131، وحلية الأولياء 1 / 67

[8] منهاج السنّة 7 / 515

[9] منهاج السنّة 7 / 512.

[10] الطبقات الكبرى ج2 ق2 ص102.

[11] منهاج السنّة 7 / 536.

[12] فيض القدير في شرح الجامع الصغير 4/357.

[13] منهاج السنّة 7 / 512 ـ 513.

[14] منهاج السنّة 5 / 513.

[15] منهاج السنّة 7 / 502.

[16] منهاج السنة 8 / 281.

[17] منهاج السنّة 8 / 229.

[18] منهاج السنّة 4 / 390.

[19] منهاج السنّة 7 / 516.