تُعَدّ حادثة امتناع الحسين بن علي رضي الله عنه عن البيعة ليزيد بن معاوية، ثم خروجه من مكة متجهًا إلى الكوفة، من أكثر الوقائع التاريخية التي استغلتها الفرقة الشيعية الضالّة لبناء خطاب عاطفي يقوم على التحريف والانتقائية، بعيدًا عن الفهم العلمي المنضبط للأحداث وسياقاتها السياسية والشرعية.
ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه المرحلة الحساسة من التاريخ الإسلامي عرضًا دقيقًا وفق منهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن الغلو والتقديس أو السبّ والطعن، مع بيان الأسباب الحقيقية لرفض الحسين رضي الله عنه للبيعة، وظروف خروجه، والدور الذي لعبه أهل الكوفة في استدراجه بالكتب والوعود، ثم خذلانه لاحقًا.

كما يوضح المقال أن موقف الحسين رضي الله عنه كان اجتهادًا سياسيًا مشروعًا، لا ثورة دينية ولا خروجًا طلبًا للسلطة، ويكشف في الوقت نفسه زيف الدعوى الشيعية التي تزعم أن ما جرى كان تنفيذًا لوصية إلهية أو إمامة مزعومة، وهي دعوى باطلة لم يقل بها الحسين نفسه ولا أحد من أهل بيته.

الْبَيْعَةُ ليَزِيدَ وَرَفْضُ الْـحُسَيْنِ رضي الله عنه لِلْمُبَايَعَةِ وَخُرُوجُهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْكُوفَةِ:

بُويْعَ لِيَزِيدَ بِالْخِلَافَةِ سَنَةَ سِتِّينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ عُمُرُهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثينَ سَنةً، وَلَمْ يُبَايِعِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ وَلَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما وَكَانَا فِي الْـمَدِينَةِ، وَلَـمَّا طُلِبَ مِنْهُمَا أَنْ يُبَايِعَا لِيَزِيدَ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنه: أَنْظُرُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَأُخْبِرُكُم بِرَأْيِي، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَلَـمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ مِنَ الْـمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ وَلَمْ يُبَايِعْ.

وَلَـمَّا جِيءَ بِالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه وَقِيلَ لَهُ: بَايِعْ قَالَ: إِنِّي لَا أُبَايِعُ سِرًّا وَلَكِن أُبَايِعُ جَهْرًا بَيْنَ النَّاسِ قَالُوا: نَعَمْ، وَلَـمَّا كَانَ اللَّيْلُ خَرَجَ خَلْفَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر ِرضي الله عنه

أَهْلُ الْعِراقِ يُرَاسِلُونَ الْـحُسَيْنَ رضي الله عنه:

بَلَغَ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَنَّ الْحُسَيْنَ رضي الله عنه لَمْ يُبَايِعْ لِيَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَهُمْ لَا يُرِيدُونَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ بلْ وَلَا يُرِيدُونَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه لَا يُرِيدُونَ إِلَّا عَلِيّ وَأَوْلَادَهُ رَضِيَ اللهُ تبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُمْ، فَأَرْسَلُوا الْكُتُبَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما كُلُّهُم يَقُولُونَ فِي كُتُبِهِمْ: إِنَّا بَايَعْنَاكَ وَلَا نُرِيدُ إِلَّا أَنْتَ، وَلَيْسَ فِي عُنُقِنَا بَيْعَةٌ لِيَزِيدَ بَلِ الْبَيْعَةُ لَكَ، وَتَكَاثرَتِ الْكُتُبُ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما حَتَّى بَلَغَتْ أَكْثَر مِنْ خَمْسِمِائَةِ كِتَابٍ كُلُّهَا جَاءَتْهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَدْعُونَه إِلَيهِمْ.

الْـحُسَيْنُ رضي الله عنه يُرْسِلُ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيل رضي الله عنه:

عِندَ ذَلِكَ أَرْسَلَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما ابْنَ عَمِّهِ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه لِتَقَصِّي الْأُمُورِ هُنَاكَ وَلِيَعْرِفَ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَجَلِيَّتَهُ، فَلَـمَّا وَصَلَ مُسْلِمُ بْنُ عَقِيلٍ رضي الله عنه إِلَى الْكُوفَةِ صَارَ يَسْأَلُ حَتَّى عَلِمَ أَنَّ النَّاسَ هُنَاكَ لَا يُرِيدُونَ يَزِيدَ بَلِ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ونَزَلَ عِنْدَ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ، وَجَاءَ النَّاسُ جَمَاعَاتٍ وَوُحْدَانًا يُبَايِعُونَ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ عَلَىبَيْعَةِ الْحُسَيْنِ رَضِي اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ وَكَانَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ مِنْ قِبَلِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَلَـمَّا بَلَغَهُ الْأَمْرُ أَنَّ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَأَنَّهُ يَأْتِيهِ النَّاسُ وَيُبَايِعُونَهُ لِلْحُسَيْنِ رضي الله عنه أَظْهَرَ كَأَنَّه لَمْ يَسْمعْ شَيْئًا وَلَمْ يَعْبَأْ بِالْأَمْرِ، حَتَّى خَرَجَ بَعْضُ الَّذِينَ عِنْدَه إِلَى يَزِيدَ فِي الشَّامِ وَأَخْبَرُوهُ بِالْأَمْرِ، وَأنَّ مُسْلِمًا يُبَايِعُهُ النَّاسُ وَأَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ غَيْرُ مُكْتَرِثٍ بِهذَا الْأَمْرِ.

تَأَمِيرُ عُبَيْدِ اللهِ بْن زِيَادٍ عَلَى الْكُوفَةِ:

أَمَرَ يَزِيدُ بِعَزْلِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَأَرْسَلَ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ أَمِيرًا عَلَى الْكُوفَةِ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ فَضَمَّ لَهُ الْكُوفَةَ مَعَهَا لِيُعَالِجَ هَذَا الْأَمْرَ، فَوَصَلَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ لَيْلًا إِلَى الْكُوفَةِ مُتَلَثِّمًا فَكَانَ عِنْدَمَا يَمُرُّ عَلَى النَّاسِ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ يَقُولُونَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ الْحُسَيْنُ رضي الله عنه وَأَنَّه دَخَلَ مُتَخَفِّيًا مُتَلَثِّمًا لَيْلًا، فَعَلِمَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ وَأَنَّ النَّاسَ يَنْتَظِرُونَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما عِنْدَ ذَلِكَ دَخَلَ الْقَصْرَ ثُمَّ أرْسَلَ مَوْلَى لَهُ اسْمُهُ مَعْقِلٌ لِيَتَقَصَّى الْأَمْرَ وَيَعْرِفَ مَنِ الرَّأْسُ الْـمُدَبِّرُ فِي هَذِهِ الْـمَسْأَلَةِ؟ فَذَهَبَ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ ( حِمْصَ ) وَأَنَّه جَاءَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ دِينَارٍ لِـمُسَانَدَةِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنه فَصَارَ يَسْأَلُ حَتَّى دُلَّ عَلَى دَارِ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ، فَدَخَلَ وَوَجَدَ مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ رضي الله عنه وَبَايَعَهُ وَأَعْطَاهُ الثَّلَاثَة آلَافِ دِينَارٍ وَصَارَ يَتَرَدَّدُ أَيَّامًا حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَهُمْ وَرَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ