تُعدّ مسألة ولاية الفقيه من أخطر القضايا التي تشكّل عليها الفكر السياسي عند الشيعة الإمامية في العصر الحديث، لما بُني عليها من سلطات دينية وسياسية واسعة نُسبت إلى الفقيه في زمن غيبة الإمام المعصوم. وقد استند القائلون بهذه النظرية إلى مجموعة من الروايات المنسوبة إلى النبي ﷺ وأئمة أهل البيت، زاعمين أنها تؤسس لنيابة عامة تُخوِّل الفقيه إدارة شؤون الأمة في الدين والدنيا.

غير أن الفحص العلمي لهذه الروايات، من حيث الأسانيد والمتون والسياق التاريخي، يكشف عن إشكالات عميقة؛ إذ إن كثيرًا منها إما ضعيف الإسناد، أو صادر في وقائع جزئية لا يصح تعميمها، أو وارد في مقام بيان فضل العلم والقضاء بين المتخاصمين، لا في مقام تأسيس ولاية عامة أو سلطة مطلقة. كما أن عددًا معتبرًا من هذه النصوص محلّ طعن عند علماء الشيعة أنفسهم، بل إن كبار فقهائهم قد رفضوا الاستدلال بها على الولاية السياسية الشاملة.

يهدف هذا المقال إلى تفكيك المنظومة الروائية التي استُدل بها على ولاية الفقيه، وبيان أوجه الخلل في توظيفها العقدي والسياسي، مع إبراز الانقسام الداخلي في المدرسة الإمامية حول هذه النظرية، وإظهار كيف مثّل هذا التحول خروجًا عمليًا عن التصور الإمامي التقليدي للإمامة والغيبة.

تمسك القائلون بنظرية ولاية الفقيه بمجموعة روايات نذكر منها:

1ـ عن عمر بن حنظلة قال:

سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتا، وإن كان حقا ثابتا له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به قال الله تعالى: " يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ". قلت: فكيف يصنعان؟ قال: ينظران [إلى] من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله. قلت: فإن كان كل رجل اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما، واختلفا فيما حكما وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر، قال: قلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه من أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاثة: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد علمه إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: حلال بين وحرام بين وشبهات بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة، قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد. فقلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران جميعا. قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟ قال: إذا كان ذلك فارجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات [1].

2 عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمال قال:

قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إياكم أن يحاكم بعضكم بعضا إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضائنا فاجعلوه بينكم فإني قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه[2].

3 ـ عن إسحاق بن يعقوب قال:

 سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك - إلى أن قال: - وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله[3].

4 ـ عن علي عليه السلام، قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللهم ارحم خلفائي، ثلاثا. قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يبلغون حديثي وسنتي، ثم يعلمونها أمتي[4].

5 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

 قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا به وإنه يستغفر لطالب العلم من في السماء ومن في الأرض حتى الحوت في البحر، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر، وإن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ولكن ورثوا العلم فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر [5].

6 ـ عن علي بن أبي حمزة قال:

سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام يقول: إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة وبقاع الأرض التي كان يعبد الله عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شئ لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها [6].

7 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول الله: وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم [7].

8 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام:

" اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه، من سوء ثنائه على الأحبار، إذ يقول: * (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الاثم) إلى أن قال: وأنتم أعظم الناس مصيبة، لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ذلك، بان مجاري الأمور والاحكام على أيدي العلماء بالله الامناء على حلاله وحرامه[8].

9 ـ عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " العلماء حكام على الناس " [9].

10 ـ عن النبي صلى الله عليه وآله " أنه قال: السلطان ولي من لا ولي له " [10].

11 ـ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي[11].

12 ـ عن الامام الرضا عليه السلام قال: منزلة الفقيه في هذا الوقت، كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل[12].

13 ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: العلماء امناء، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة. وفي رواية أخرى: العلماء منار، والأتقياء حصون، والأوصياء سادة [13].

14 ـ عن محمد بن إسماعيل قال:

 مات رجل من أصحابنا ولم يوص فرفع أمره إلى قاضي الكوفة فصير عبد الحميد القيم بماله وكان الرجل خلف ورثة صغارا ومتاعا وجواري فباع عبد الحميد المتاع فلما أراد بيع الجواري ضعف قلبه في بيعهن إذ لم يكن الميت صير إليه الوصية وكان قيامه فيها بأمر القاضي لأنهن فروج قال: فذكرت ذلك لأبي جعفر عليه السلام وقلت له: يموت الرجل من أصحابنا ولا يوصي إلى أحد ويخلف جواري فيقيم القاضي رجلا منا ليبيعهن أو قال: يقوم بذلك رجل منا فيضعف قلبه لأنهن فروج فما ترى في ذلك؟ قال: فقال: إذا كان القيم به مثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس[14].



[1] الكافي، للكليني، 1/67، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/286، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/13، 106، 136، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/302، الاحتجاج، للطبرسي، 2/106، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/220، 101/261

[2] الكافي، للكليني، 7/412، من لا يحضره الفقيه، للصدوق، 3/2، تهذيب الأحكام، للطوسي، 6/219، الوافي، للفيض الكاشاني، 16/901،وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/13

[3] المحاسن، لأحمد بن محمد بن خالد البرقي، 1/1، كمال الدين وتمام النعمة، للصدوق، 484، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 27/140، الفصول العشرة، للمفيد، 10، الغيبة، للطوسي، 291، الاحتجاج، للطبرسي، 2/283، الخرائج والجرائح، لقطب الدين الراوندي، 3/1114، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/90، 53/181، 75/380

[4] الأمالي، للصدوق، 247، عيون أخبار الرضا ( ع ) - الشيخ الصدوق - ج 2/40، معاني الأخبار - الشيخ الصدوق 374، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/146

[5] الكافي، للكليني، 1/34، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/155، الأمالي، للصدوق، 116، ثواب الأعمال، للصدوق، 131

[6] الكافي، للكليني، 1/38، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/148

[7] الكافي، للكليني، 1/46، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/213، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 13/124، 17/320، النوادر، لفضل الله الراوندي 156، بحار الأنوار، للمجلسي، 2/36، 110، 72/380

[8] تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، لإبن شعبة الحراني، 238، الوافي، للفيض الكاشاني، 15/179، مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/316، بحار الأنوار، للمجلسي، 97/80

[9] مستدرك الوسائل، للنوري الطبرسي، 17/321، جامع أحاديث الشيعة، للبروجردي، 25/18

[10] الحدائق الناضرة، ليوسف البحراني، 23/239، رياض المسائل، لعلي الطباطبائي، 10/108، عوائد الأيام، للنراقي، 534، مستند الشيعة، للنراقي، 16/143

[11] عوائد الأيام، للنراقي، 532، نهج الفقاهة، لمحسن الحكيم، 299، كتاب البيع، للخميني، 2/651

[12] فقه الرضا، لإبن بابويه القمي، 338، بحار الأنوار، للمجلسي، 75/346، مستدرك سفينة البحار، لعلي النمازي الشاهرودي، 8/283

[13] الكافي، للكليني، 1/33، الوافي، للفيض الكاشاني، 1/143، مشكاة الأنوار، لعلي الطبرسي، 122، بحار الأنوار، للمجلسي، 67/287أ

[14] الكافي، للكليني، 5/209، تهذيب الأحكام، للطوسي، 7/69، الوافي، للفيض الكاشاني، 17/300، وسائل الشيعة، للحر العاملي، 17/363